عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله: من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب وان الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلُوّة حتى تكون مثل الجبل» صدق رسول الله. رواه الإمام البخاري في صحيحه.

إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً يبين الرسول الكريم ان الله يقبل الصدقة مهما تكون قليلة من أصل طيب ويأخذها بيمينه دلالة على البركة ثم يربيها لصاحبها حتى تنمو وتكبر وتصبح كالجبل انه يطالب كل واحد فينا يخلص العمل لله «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء» وبإخلاص النية والبعد عن الحرام وتصفية القلب من الأمراض لأن الحسن البصري يقول دواء القلب خمسة أشياء:

قراءة القرآن بتدبر وإمعان ـ وقيام الليل ـ والدعاء وقت السحر ـ ومجالسة الصالحين وإخلاء البطن من الحرام، فلا يدخل الإنسان في بيته إلا الطيب لأن الله لا يقبل إلا الطيب ففيه البركة وفيه الرضا من الله عز وجل وفيه الاطمئنان النفسي والروحي والرسول «صلى الله عليه وسلم» يصور الزيادة والتكبير للصدقة بأنها تصبح التمرة مثل الجبل، التمرة التي تزن درهماً أو دراهم معدودة تعظم حتى يصبح وزنها في ميزان الحسنات عند الله وزن الجبل يربيها الله تعالى لصاحبها كما يربي الرجل منا فطيم فرسه الذي يعتز به ويحميه من الآفات ويحتضنه ويحيطه بالعناية والرعاية حتى يصير فرساً كبيراً ويسابق فيسبق، ولذلك على كل مسلم صدقة غنياً كان أو فقيراً «لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله».

عائشة أم المؤمنين جاءتها امرأة فقيرة معها ابنتاها فلم تجد في بيتها إلا تمرة لم تستنكف ان تقدمها لها فشقت المرأة التمرة نصفين أعطت كل بنت نصفاً، تعمل رضا الله عنها بحديث الرسول اتقوا النار ولو بشق تمرة. لقد قال لها يوماً: يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان أي أن اليسير يستر الفقير ويسد منه مسداً.

لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم «سبق مئة ألف درهم» فقال رجل وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «رجل له مال كثير أخذ من عرضه مئة ألف درهم تصدق بها ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما وتصدق به».

شرط واحد لقبول الصدقة قبولاً حسناً ومضاعفة ثوابها، أن تكون من مال حلال طيب لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

وفي هذا الهدي الشريف من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلى آخر هذا الهدي الشريف.

أيها الإخوة المؤمنون الملاحظ أن المشبه بسيط الحجم ولكنه يتمدد في البصر ويكبر وقد ذكرت اليمين المباركة الذي يبدأ حياً فيكبر فكان الثواب فلواً يعني أن هذا الثواب فيه روحانية وأنس فيصبح جبلاً ولكنه يحتفظ بشيء من التسامي الروحي وفي الحديث تصعيد بالثواب وثمة تناظر بين لا يقبل إلا الطيب وكون وجود الحياة في الصدقة المجسمة فالله هو الذي ينمي ومن ثم يسطر الحجم الهائل على البصر والمشبه به عملية التربية ولكن الطابع الديني تطلب للترغيب تجاوز البيئة المعروفة فتصبح الصدقة مثل الجبل وتتجاوز حجم الحيوان المعروف.

ويمثل الجبل هنا الأمان العميم بثباته معبراً عن نمو الصدقة وأشبعت هذه الفكرة بتعبير «لصاحبها» زيادة في الطمأنينة وكأنما جرت صحبة بين هذا المؤمن والصدقة لكثرة خيرته. والصدقة هنا آخذة في النمو المتصاعد أمام البصر وتفوق شكل حيوان أليف نامٍ، له ما له من إثارة المشاعر الطيبة لهذا الحيوان الودود فهو ولد الفرس حين يبلغ السنة من عمره وهو بحاجة إلى رعاية وشفقة مما يجسم الرعاية الربانية للعبادات صغيرها وكبيرها ومن ثم تأخذ في الكبر حتى تصبح جبلاً فيكتمل الشعور بالنمو الذي يثبت عند حد الراحة لدى الاستحواذ على الكثير من العطاء الرباني غير المحدود.

والحديث يدور حول ما يكون وراء مادية مفردات الطبيعة وإن انطلق منها في التصوير، فالثمرة قد تلاشت في جوف المحتاج تلاشت مادتها وبقيت ماهيتها فهي صدقة، وإذا بيمين الله في الجوف فيتلاشى الجوف وتبقى يمين الله غير المحسوسة، فهنا صورة ذهنية تشغل الخيالات وتحتاج إلى آفاق بعيدة، وهكذا تقبض هذه اليمين على الصدقة، فيتغير الحجم المعهود المحدود، وينقلب إلى أكمل ما يمكن أن تكون هذه الثمرة، وهي أكمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان وهي ثمرة صغيرة تليق بضعف هذا العبد أمام الخالق جلّ وعلا.

وبما أن الثمرة وصلت إلى حد لا تستطيع أن تتجاوزه بين يدي ابن آدم وقلبت ماهيتها في يدي الله سبحانه وتعالى لأنها ارتبطت بالمطلق وأخذت في النمو ولم يقف هذا النمو عند حد فالنص النبوي يقول مثل الجبل أي هناك هالة غيبية تحيط بالجسم ولم تصل إلى معرفة الحجم الحقيقي، إنما هو التقريب الحسي.

وفي الحديث إشارة رفعت الموجودات ووهبتها قيمة جليلة فالله سبحانه وتعالى يربيها مباشرة وهذه لفتة مهمة إذ تلبس الموجودات من هيبة من يرعاها، وقد اشتمل الحديث على رموز للموجودات (نبات، حيوان، جماد) كما انه رقى الإنسان حتى جعله بعمل بسيط (صدقة بعدل تمرة) يضع يده في يمين الله تعالى، ويستودع عنده وديعة وهذا يفيد أن مفردات الطبيعة في الحديث النبوي عموماً تتخطى السمة الحسية وتتخذ دلائل وجدانية خاصة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عثمان الغزالي