قال الشيخ: يقول الحق سبحانه وتعالى: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم) الحج54، فالتوحيد علم هيأ الله سبحانه وتعالى من صاغه في أدلة نقلية وعقلية وفي أخبار وسمعيات صح نقلها عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وليس المنتظر من سطور قليلة أن تفصَل في علم له فرسانه سيما وأن مدار حديثنا عن القلب السليم وشروط تحققه.
ولنعلم أن للتوحيد قوادح أكثرها من لبس الشياطين من الجن والإنس كمن يدعي النفع والضر لغير الله، أو يدعي معرفة ذات الله ويثبت له صفات المخلوقين، فالحق سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وإنما نثبت ما أثبته الله لنفسه من صفات وأسماء في القرآن الكريم، فما تشابه منها علينا فوضنا أمره لله حيث لا تقدر العقول على إدراك كنه الله وذاته وما يتصل به، فمن الأولى بنا أن نلتزم الأدب ونعترف بقصور عقولنا وعلومنا.
ومما يقدح في التوحيد ما درج على ألسنة بعض الناس من أحاديث عن (عمل الطبيعة) و(غضب الطبيعة)، فكيف ينسب للمخلوق قصد وعمل وشعور، والأصل أن ننسب كل حدث لخالقه الأوحد لا اله الا هو، وما من شيء يتم في الكون كله الا بإذنه وتقديره.
ومما يقدح في التوحيد كلام بعض السفهاء عن (عبث الأقدار) و(القدر الأعمى) و(القدر الأحمق) وهي تعابير ؟ والعياذ بالله ؟ مكفرة مخرجة لصاحبها عن الملة، فالقدر مشيئة الله وإرادته وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولن يكون.
ومما يقدح في التوحيد تقديم الإيمان بالأسباب والاعتماد عليها، على الإيمان بالله واللجوء إليه فمن اعتقد أن الدواء يشفي ثلم توحيده لأن الحق سبحانه هو الشافي (وإذا مرضت فهو يشفين)، وأمثلة ذلك كثيرة.
ومما يقدح في التوحيد الحديث عن (المصادفات) و(العشوائيات) بل لعل كثير منا صار يربط الصدفة بالقضاء والقدر فيعلل حدثاً لم يكن متوقعاً بأنه من قبيل القضاء والقدر، ولا صدفة مع إرادة الله وتقديره (إن كل شيء خلقناه بقدر).
ومما يقدح في التوحيد دعوات ظهرت وتظهر إلى مزج الأديان في فلسفات بهلوانية متجاهلة أن الدين عند الله الإسلام، وإن الله أمرنا أن نحسن التعايش مع أصحاب الديانات الأخرى دون خلط بين العقائد ودون تبرئة المحرفين والمزورين.
ومما يقدح في التوحيد ما جرى على ألسنة الناس أو على ألسنة بعض أصحاب الأقلام من غير المتأدبين من اعتراض على الله على ظلم أو مصاب يقع، والأولى أن نهذب نفوسنا لاستقبال الشدائد بالصبر والشكر.
وقد قيل إن التوحيد موجب يوجب الإيمان فمن لا إيمان له لا توحيد له، والإيمان موجب يوجب الشريعة، فمن لا شريعة له فلا إيمان له ولا توحيد، والشريعة موجب يوجب الأدب فمن لا أدب له لا شريعة له ولا إيمان ولا توحيد.
ذلك أن شعور المؤمن بمراقبة الحق سبحانه وتعالى له في كل لحظة ونفس يوجب الأدب، والأدب يوجب التصرف وفق ما يرضي الله سبحانه وتعالى بما أراد، وهو الشريعة، والتزام الشريعة دليل الإيمان ورسوخ التوحيد.
قال بعض أهل العلم في التوحيد: نفي لتقسيم ذاته ونفي التشبيه في حقه وصفاته، ونفي الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته.
ومع تأكيدنا على أن المراقبة والأدب والتزام الشريعة هي أدلة التوحيد وقواعده فإن فضل التوحيد كبير إن استقر في القلب؛ ففي مجمع الزوائد يروي الهثيمي: عن عبدالله بن مسعود أن رجلاً لم يعمل من الخير شيئاً قط إلا التوحيد، فلما حضرته الوفاة قال لأهله إذا أنا مت فخذوني وأحرقوني حتى تدعوني حممة ثم اطحنوني ثم ذروني في البحر في يوم راح - أو يوم ريح ؟ ففعلوا به ذلك، فإذا هو في قبضة الله عز وجل، فقال الله عز وجل: ما حملك على ما صنعت، قال: مخافتك، قال: فغفر الله عز وجل له (إسناده حسن).
اللهم اجعل خاتمتنا على التوحيد.
ماهر سقا أميني
