معجزة الحياة

معجزة الحياة

تعتبر كتابة المعلومات الوراثية بالطريقة الرقمية والتي سبق تناولها في المقال السابق وبالكثافة العالية معجزة من معجزات الحياة ولكن هذه المعجزات لا تقارن بأي شكل من الأشكال بالمعجزة الموجودة في الطريقة التي يتم بها قراءة هذه المعلومات عن الشريط الوراثي من قبل مكونات الخلية. ويقول الدكتور منصور أبو شريعة العبادي من جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية إنه لكي يتم قراءة هذه الأحرف باستخدام الضوء لا بد أن يكون طول موجة الضوء المسلط عليها أقل من المسافة الفاصلة بين حرفين متجاورين وهو ثلث نانومتر. وإذا ما علمنا أن طول موجة الضوء المرئي المستخدم في النظام البصري للإنسان يتراوح بين خمسمئة وسبعمئة نانومتر يتضح لنا استحالة قراءة هذه المعلومات باستخدام الميكروسكوبات الضوئية.

ويضيف الدكتور منصور أنه لكي نتمكن من قراءة هذه المعلومات لا بد من استخدام موجات كهرومغناطيسية بترددات تزيد كثيرا عن تردد الضوء المرئي وذلك لكي نحصل على طول موجة مقارب للمسافة الفاصلة بين الحروف الوراثية. وباختراع الميكروسكوبات الإلكترونية والتي تستخدم الإلكترونات بدلا من الضوء كوسيلة لرؤية الأشياء تمكن العلماء من قراءة المعلومات المخزنة على الأشرطة الوراثية لمختلف أنواع الكائنات الحية وخاصة الإنسان الذي أكمل العلماء قراءة كامل شريطه الوراثي في ما يسمى مشروع الجينوم البشري.

ولا بد من التأكيد هنا على أن كل ما قام به العلماء في مشروع الجينوم البشري هو تدوين تسلسل أحرف الشريط الوراثي وكذلك تحديد أماكن الجينات المختلفة. أما البرامج والمعلومات المتعلقة بتحديد مواصفات الإنسان وطريقة تصنيع أعضائه ابتداء من خلية واحدة فلا زال أمامهم شوط طويل لكي يتمكنوا من فك ألغازه. ومما أذهل العلماء في هذا الشريط هو أن الشفرة الوراثية في جميع الكائنات الحية مكتوبة بنفس نوع الأحرف والتي يبلغ عددها أربعة أحرف فقط تم تمثيلها بأربعة أنواع من الجزيئات العضوية بنيت بدورها من أربعة أنواع من الذرات وهي الكربون والهيدروجين والأوكسجين والنيتروجين.

ويبلغ عدد الذرات في جزيء الحرف الأول ثلاث عشرة ذرة وفي الثاني أربع عشرة ذرة وفي الثالث خمس عشرة ذرة وفي الرابع ست عشرة ذرة، و يتكون الجزيئان الأكبر حجما من حلقتين متلاصقتين بعدد أكبر من ذرات النيتروجين بينما يتكون الجزيئان الأصغر حجمًا من حلقة واحدة بعدد أقل من ذرات النيتروجين. ولكي تبقى المسافة بين السلسلتين للشريط ثابتة فإن الحرفين المكونين لكل درجة من درجاته يجب أن يكون أحدهما جزيئًا كبير الحجم والآخر صغير الحجم.

إن خاصية التكامل بين أحرف الشفرة الوراثية هو السر الذي يمكن الشريط من إنتاج نسخ جديدة عنه فبمجرد فصل السلسلتين عن بعضهما يمكن لكل منهما تكوين السلسلة الأخرى المكملة لها من خلال جذب أحرف مكملة لأحرفها قد سبق للخلية أن قامت بتصنيعها بكميات تكفي لتصنيع النسخة الجديدة.

سيد طنطاوي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات