لا يزال الكلام موصولا عن التميز الإداري في الإسلام،، فالإسلام لاَ يهتم بإصلاح أمور الآخرة فحسب، بل يدعونا أيضا إلى إصلاح أمور الدنيا أيضا، ولا يتم ذلك إلا بتطبيق علم الإدارة في حياتنا، يهتمُّ بإصلاحِ أمورِ الآخرةِ فقط، بلْ يدعُونَا لإِصلاحِ أمورِ الدنيَا والآخرةِ.
وقد بينا في المقال الماضي أن للإدارة ثوابت وأصولا عامة لا تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال دلت عليها نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية من خلال سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو نظرنا في أي جانب من جوانب الإدارة أو التخطيط أو القيادة أو الاتصال أو التحفيز أو الرقابة أو التنظيم أو الإبداع، وغيرها الكثير الكثير، لوجدناها ظاهرة في شريعتنا خصوصاً في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وقصص الأنبياء، وسيرة خلفائه الراشدين الكرام رضي الله عنهم.
ومن هذه الأصول العامة التي تبنى عليها الإدارة في الإسلام بالإضافة لما مضى في المقال السابق: عدم الظلم والمحسوبية، فالظلم وضع الشيء في غير محله وإعطاء الحق إلى غير أصحابه، وهو ما يحدث اليوم من أنواع المحسوبيات المحرمة، من تقفيز أناس فوق أناس، وتقديم أناس متأخرين وترك المتقدمين بغير وجه حق، وتقديم الأقل كفاءة بسبب المعرفة والواسطة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الظلم ظلمات يوم القيامة). رواه البخاري.
ومن الأصول العامة التي تبنى عليها الإدارة والتميز الإداري في الإسلام: تقديم الحوافز التي تشجع على الجد والاجتهاد: فقد سعى التشريع الإسلامي على وضع الحوافز والزواجر منذ اللحظات الأولى لتنزل الوحي القرآني، فالجنة والنار، والوعد والوعيد، وسقر والفردوس، كلها محفزات وزاجر لتجعل المسلم يجتهد في العمل والعبادة لله رب العالمين، فالحوافز الأخروية كثيرة وعديدة، يقول الله تبارك وتعالى: {أولئك لهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين }، وكذلك الحوافز الدنيوية وردت وذكرت في القرآن والسنة النبوية، قال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلا فله سلبه ). رواه البخاري ومسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان لا يبخل بالغنائم، ولا بالصدقات كمكافآت مادية بعد غزواته، ولم يفت النبي صلى الله عليه وسلم تشجيع الصحابة الكرام من خلال الحوافز المعنوية فقد وزَّع الأوسمة الجميلة والألقاب العظيمة على صحابته فهذا «الصديق» وذلك «الفاروق» و«أسد الله» و«حبر الأمة» و«أمين سر رسول الله» و«وسيف الله المسلول» والأوسمة التي نالها معظم الصحابة رفعت من معنوياتهم وأكدت على أهمية الحوافز الدنيوية والأخروية في دفع الإنسان إلى العمل والجد والاجتهاد.
ومن الأصول العامة التي تبنى عليها الإدارة المتميزة في الإسلام: سرعة إنجاز العمل وعدم تأخيره، وخدمة العملاء وأصحاب الحوائج بالرفق والتعامل الجميل: ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبى موسى الأشعرى وهو بالبصرة: «لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد فتزدحم عليك الأعمال فتضيع». وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ). رواه مسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم.
لا شك أن تطبيق هذه القواعد الإدارية التي دعا إليها الإسلام سبب للنظام والطمأنينة والازدهار والرقي، في جميع جوانب الحياة الاجتماعية والتجارية والاقتصادية والعمرانية، وسبب لسعادة الفرد والمجتمع، وإن ضعف الإدارة والافتقار إلى التنظيم لهو سبب لانعدام الاستقرار والأمن الذي يؤثر على التقدم في جميع الجوانب الاجتماعية والعمرانية والتجارية.
وبالحديث عن الإدارة والتميز الإداري لابد أن نعرج على المنجزات الإدارية لدولتنا الحبيبة دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد أصبحت دولتنا ولله الحمد والمنة من الدول التي يضرب فيها المثل في حسن الإدارة والتدبير في الحكم، والحكمة في إدارة الأمور، وهذا كله في ظل إدارة رشيدة وحكمة فريدة من ولي أمرنا وحاكمنا صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله ورعاه،، وما كتاب رؤيتي إلا أعظم دليل على التميز الإداري والقيادي، ولو أردنا حصر إنجازاته لاحتاج الأمر إلى مجلدات وذلك لأن هذه الشخصية وهبها الله عز وجل قوة الإرادة وحسن الإدارة ومؤهلات القيادة اعترف بقدرها ومكانتها ودورها القريب والبعيد والقاصي والداني، لقد استطاع صاحب السمو رئيس الدولة ونائبه حمل الأمانة، وقيادة الدولة والأمة، وتحقق على أيديهم بفضل الله عز وجل لهذه البلاد المباركة الأمن والاستقرار والرخاء والطمأنينة، فالحديث عنهم حديث عن تأسيس دولة، وكتابة تاريخ، وحديث عن رقي وعطاء، وإدارة وبناء، وتنمية وتضحية في سبيل إقامة الحياة السعيدة وترسيخ دين الإسلام وتهيئة الفرد المسلم لأداء رسالته في هذه الحياة، فنحمد الله أننا نستظل تحت ظل لوائهم ونفيء تحت وارف جودهم وعطائهم، فنحمد الله أولا ونشكر لهم ثانيا لأنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، فالشكر والحمد لهم موصول ونسأل الله أن يديم علينا النعمة وأن يوفقهم ويلهمهم العمل الذي فيه صلاح العباد والبلاد.

