الوصول إلى «شيك بوينت شارلي» يحتاج إلى الكثير من التهيّب. ليس بسبب الذعر الذي كان بوسع ذلك «الحاجز» أن يشكله على مدى عقود، قبل انهيار جدار برلين، في نفوس العابرين بأذونات، أو المختبئين في صناديق السيارات أو قرب العجلات.. وإنما اليوم، بسبب البرد الشديد، الذي يصيبك مجرد التفكير به، بالخوف من المشي حتى هذه النقطة، القريبة من منطقة فعاليات المهرجان. على جدران خشبية، ثبتت عند هذه النقطة، تقرأ تاريخ المدينة الأليم. برلين المقسمة، وحكايات المنتحرين عند جدارها، في سبيل الحرية.
صور قادة الحروب والسلام هنا أيضا. تشرشل وكنيدي وهتلر وغيرهم. أرقام القتلى والمسجونيين والمنتحرين، محزنة، محبطة، وتضاعف شعور الأسى الذي تسربه إليك رمادية الشتاء. هل فعلا انهار الجدار؟ توحدت المدينة؟ هل هذه الصورة، في نهاية المعرض المثبت عند «شاك بوينت شارلي»، والتي يظهر فيها محتفلون على أسوار الجدار المنهار في ليلة مجيدة، هي فلا الصورة الأخيرة. تسأل هذا السؤال كثيرا. لأصدقائك الألمان وأصدقائهم.
أنت الآتي من مدن الشرق التي تقسمها الصراعات الأهلية ومصالح الساسة وفسادهم والاقتصاد الذي ينهار، تهوى السؤال عن التقسيم. كيف ينتهي، وكيف يرزح الناس تحت سطوة آلامه؟ تحديدا كما في فيلم الافتتاح الصيني «منفصلون ومعا» الذي يعرض الليلة.
«ليس تماما»، يقول موركوس، الذي يدير تجارة بين ألمانيا ودبي. قبل عشرين عاماً، كان انتقال سكان شرق ألمانيا إلى غربها بحاجة إلى تأشيرة خروج مستحيلة المنال، وقد تصل كلفتها إلى حدود الموت، «أما اليوم، فإن انتقال الفقير إلى منطقة الغني لا يكون إلا بمساعدة سحب اليانصيب واللوتو»، سهر رودروف الألماني التركي.
وفعلا، يتراوح الجيل الألماني الحالي اليوم بين الغرام والانتقام: جيل مغرم بحال سقوط جدار الإسمنت الذي كان يطوّقه حاجباً عنه العالم الخارجي وحقّه في حريّة التنقل والسفر، وبالتالي سقوط «جدار الاستخبارات» (الشتازي) الذي كان يحجب عنه حرية الكلمة وحقّ التعبير.
وهناك جيل آخر، منتقم، يصفّي حساباته السياسية والعقائدية اليوم، عبر تحميله جميع البشاعات التي يرزح تحتها ويعانيها، إلى «أشقائه الشرقيين»، الوافدين من خلف الجدار، فتراه يحمّلهم، بعد مرور 20 عاماً، مسؤولية تردّي الأوضاع الاقتصادية ومنافسته على فرص العمل.
هل فعلاً سقط الجدار عمودياً، بين الألمان الذين كانوا هنا وأشقائهم الذين كانوا هناك وانتصب مكانه جدار أفقي بين الألمان الذين هم فوق وأشقائهم الذين هم تحت، ما يدفع بوسائل الإعلام إلى وصف ذكرى احتفالات «يوم المصير»، بأنها احتفالات «دولة واحدة» بـ «شعبين»؟! في الجانب المضيء، لا شك في أن الولايات الألمانية الشرقية، وخاصة الأكثر تردياً وتخلفاً (ساكسونيا وبرلين وبراندنبورغ)، قد استفادت من سقوط الجدار، وبالتالي قيام الوحدة الألمانية.
لقد حظيت هذه الولايات الفقيرة، جراء انهيار الجدار، بفرصة استقبال المصانع الألمانية الضخمة، وتحديداً مصانع السيارات، «فولكسفاكن» في مدينة «كيمنيتز»، و«سيمنس» في مدينة «دريسدن» ومتجر «كويلله» في مدينة «لايبزغ»، بالإضافة إلى استثمارات ضخمة من حوالي ثلاثة آلاف شركة.
هذا الدخول المفاجئ للرساميل الضخمة مكّن ولاية ساكسونيا من تحقيق نهضة ذاتية، ومكّن العديد من المؤسسات والمصانع الألمانية من النهوض ومواجهة تحديات العولمة والأزمة المالية إلى حدّ كبير.
وعلى سبيل المثال، فإن مصنع الدراجات الهوائية الألماني الشرقي في مدينة «نويكيرش» كان يضمّ حوالي مئة عامل قبل الوحدة، فأصبح اليوم منافساً للإنتاج الغربي (ينتج مئتي ألف دراجة سنوياً) ويضمّ ثلاثمئة عامل. أما في الجانب المظلم، فيمكن الإشارة اليوم، بعد عشرين عاماً، إلى ارتفاع معدل البطالة عن العمل (قطاع عمال المناجم في مدينة براندنبورغ: خسر 75 ألف عامل وظائفهم من أصل ثمانين ألفاً). كذلك أعلنت مصانع الصلب والحديد إفلاسها، بالإضافة إلى إفلاس مصانع أخرى لم تتمكن من مواجهة التكنولوجيا الحديثة وتحديات الأزمة المالية العالمية.
وقبل أسابيع، حين احتفلت ألمانيا بسقوط الجدار، خرجت وكالات الأنباء المحلية في برلين بعناوين تتهكم على الواقع الجديد، لا تخلو من الإثارة، ومنها «دولة واحدة بشعبين»، أو كالقول إنه «قبل عشرين عاماً، كان انتقال «الشرقيين» إلى غرب البلاد، بحاجة إلى سمة خروج «فيزا» صعبة، لا بل مستحيلة المنال، وقد تصل كلفتها إلى حدود الموت في حال الفرار عبر الجدار.
أما اليوم، بعد عشرين عاماً، فإن انتقال الفقير إلى منطقة الغني، لا يكون إلاّ بمساعدة سحب اليانصيب واللوتو».تجرجر أذيالك بعيدا عن «شيك بوينت شارلي»، وأشباح المتلهفين للحرية تهيمن على روحك. هل انهار الجدار فعلا؟ تسأل مجددا، فستعصي الإجابة، وتقرر أن العودة إلى الفندق أكثر دفئا.. وراحة!
برلين - (البيان)
