تكاد تكون الصقارة وهي عملية تدريب الطيور الجوارح كالبازي والصقر والشاهين وغيرها من أكثر الظواهر الحضارية تغلغلا في حياتنا العربية على مر الزمن، سواء ذلك في الشعر والرسم والأمثال والحكايات والقصص الشعبية.
وكانت ولاتزال لها مكانة خاصة متميزة في منطقة الجزيرة العربية والخليج، وفي دولة الإمارات بشكل كبير، ولشدة تعلق الناس هنا وعلى مختلف المستويات والأعمار بهذا النوع من الرياضة الذي تطور من «هواية« مارسها وشجع على ممارستها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وكان أحد أبرز أساتذتها وخبرائها، ترضي طلاب الرياضة والمتعة إلى علم ذي قواعد وأصول تتناول كيفية تدريب الطيور في الإرسال والدعاء، وكيفية تغذيتها ومراعاتها في فترة القرنصة، وعلاجها إذا ألم بها مرض في أي جزء من أجزاء الجسم، وغدا لهذا العلم الذي يسمى «البيزرة» مصطلحاته الخاصة به، وخبراؤه وعلماؤه الذين يعرفون كل مايهمهم في هذا الميدان على المستويين النظري والعلمي . ولفظة بيزرة مأخوذة من لفظ « البازيار« وهو الذي يعنى بالبازي، لانه الاكثر رفاها بين الطيور الجوارح، ثم توسع مدلولها لتعم الصيد بسائر الطيور وبالكلاب أيضا وبالفهود، الا أن الصائدين بالكلاب والفهود يعرفون باسم «الكلابزة» و«الفهادين» ايضا .
قصص وحكايات الصيد... وقد ورد الصقارة واستخدام الصقور في التاريخ العربي منذ اقدم العصور، وهناك العديد من القصص والحكايات التي تدور حول الصقارة وذكاء الطيور الجارحة مثل الصقور . وكيف ان الحكام القدماء كانوا يربونها ويعتنون بها، وقد اورد تقي الدين ابي العباس حمزة بن عبدالله الناشري ( ت 926 ) في كتابه انتهاز الفرص في الصيد والقنص العديد من هذه القصص، منها قصة السلطان ابوالفتح ملك شاه بن الب ارسلان محمد بن داود بن سلجوق الملقب جلال الدولة السلجوقي الذي ملك مالم يملكه احد من ملوك المسلمين بعد الخلفاء المتقدمين، فانه ملك كاشغر مدينة في اقصى بلاد الترك ( تقع اليوم داخل حدود الصين في مقاطعة سينكيانغ Sin-kiang وهي عاصمة تركستان Turkistaَ الشرقية تاريخيا ) إلى بيت المقدس طولا، ومن القسطنطينية ( اسطنبول ) إلى بلاد الخزر ( هي عدة بلدان محيطة اليوم بهذا البحر وهو بحر قزوين ومنها جنوب ايران وأذربيجان وتركمانستان وداغستان ) من الهند عرضا.
وقد اورد الناشري هذه القصة عن ابن خلكان صاحب وفيات الاعيان قال : وكان لهجا بالصيد حتى قيل انه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة الاف صيد فتصدق بعشرة آلاف دينار بعد ان تصدق بشيء كثير، وقال : اني خائف من الله سبحانه من ازهاق الارواح من غير مأكلة، وصار بعد ذلك كلما اصطاد صيدا تصدق بدينار، وخرج من الكوفة لتوديع الحاج فجاوز العذيب ( تصغير العذب وهو الماء الطيب . وهو ماء بين القادسية والمغيثة بينه وبين القادسية اربعة اميال والى المغيثة 32 ميلا . وقيل : هو واد لبني تميم وهو من منازل حاج الكوفة وقيل هو حد السواد . ياقوت : مج 3، 304 ). وتزوج الخليفة المقتدر بالله العباسي ابنة السلطان جلال الدولة السلجوقي المذكور، وكان السفير في الخطبة الشيخ ابواسحاق الشيرازي صاحب ( التنبيه ) و( المهذب ) وأنفذه إلى نيسابور لهذا السبب، وكان اهل نيسابور (مدينة معروفة في خراسان ايران وتلفظ بالفارسية نيشابور او نشاوور ومن اسمائها القديمة أبرشهر وللشاعر المعروف مالك بن الريب قصيدة شهيرة يرثي بها نفسه وقد مرض وساعة حلت منيته وهو مار بهذه المدينة ويوصي بناته قبل موته ويقول :
لعمري لئن غالت خراسان هامتي
لقد كنت عن بابي خراسان نائيا
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بوادي الغضا أزجي القلاص النواجيا
ويذكر ياقوت الحموي في معجمه ان اكثر شرب اهل نيسابور من اقنية تجرى تحت الارض ينزل اليها في سراديب مهيأة لذلك، لذلك فيوجد الماء تحت الارض . ( ياقوت : مج 4، 422، 423، مج 2، 220 ) يأخذون التراب الذي وطأته بغلة الشيخ ابي اسحاق فيتبركون به، ولما اراد ابو اسحاق ان يركب بغلته، اخذ امام الحرمين عبد الملك الجويني بركاب البغلة لئلا يميل به السرج تعظيما لأبي اسحاق.
وزفت بنت السلطان إلى الخليفة في سنة ثمانين واربعمائة، وولدت ذكرا اسماه جعفرا، وخرج ملكشاه للصيد من بغداد فاصطاد وحشا وأكل من لحمه وابتدأت به العلة وافتصد ولم يكثر من إخراج الدم فعاد إلى بغداد مريضا، وتوفي ثاني يوم دخوله سادس عشر شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة ( الناشري : 276، 277 ) .
وحكى السموأل بن يحيى المغربي في كتابه نزهة الاصحاب في معاشرة الاحباب عن بعض الأعراب قال : بينما انا قد قنصت خشفا ( صغير الغزال ) وأوثقته في حبائلي اذ استقبلني شاب له ضفيرتان، وكأن وجهه الشمس الطالعة، فلما نظر إلى الخشف تنفس الصعداء وأنشأ يقول :
وذكرني من لا أبوح بذكره
محاجر خشف في حبائل قانص
فقلت ودمع العين يجري بجفنه
ولحظي إلى عينيه لحظ مشاخص
خف الله لاتقتله ان شبيهه
سباني فقد ارعدت منه فرائصي
قال : فأطلقت الخشف وذهب فأتبعه الفتى بعينيه ثم قال : اين المنزل ياقناص ؟ فقلت : بموضع كذا فجاءني من الغد يقود عشرا من الابل، فقال لي : خذهن جزاء لإطلاقك الخشف، فأبيت أن آخذها، فحلف على بأخذها فأخذتها، فسألت عنه فقيل : انه يعشق فتاة من الحي ( الناشري : 279، 280 ) .
ويروي المسعودي في بعض اخبار هارون الرشيد ويقول ان الرشيد خرج ذات يوم وهو ببلاد الموصل، وعلى يده باز أبيض، فاضطرب على يده، فأرسله، فلم يزل يحلق حتى غاب في الهواء، ثم طلع بعد الاياس منه، وقد علق شيئا فهوى به يشبه الحية او السمكة، وله ريش كأجنحة السمك، فأمر الرشيد فوضع في طست، فلما عاد من قنصه احضر العلماء فسألهم : هل تعلمون للهواء ساكنا ؟
فقال مقاتل : يا أمير المؤمنين، روينا عن جدك عبدالله بن عباس ان الهواء معمور بأمم مختلفة الخلق، فيها سكان أقربها منا دواب تبيض في الهواء وتفرخ فيه، يرفعها الهواء الغليظ ويربيها حتى تنشأ في هيئة الحيات او السمك، لها أجنحة ليست بذات ريش تأخذها بزاة بيض تكون بأرمينية، فأخرج الطست اليهم، فأراهم الدابة، وأجاز مقاتلا يومئذ (المسعودي، ج1، 144) .
الصيد والغزل
وذكرني من لا أبوح بذكره
محاجر خشف في حبائل قانص
فقلت ودمع العين يجري بجفنه
ولحظي إلى عينيه لحظ مشاخص
خف الله لاتقتله ان شبيهه
سباني فقد ارعدت منه فرائصي
يكتبها ـ عمار السنجري
صفحة أسبوعية تعنى بالتراث والتاريخ المحلي، تستجلي آفاق الحوار الحضاري مع جذور الآخر من خلال العناية بما قدمته مدارس الاستشراق في ميدان الثقافة العربية الإسلامية.



