«كتاب ايلي ـ The Book of Eli» الذي بدأ عرضه هذا الأسبوع في صالات السينما بالإمارات، من الأعمال السينمائية التي تدفعك بقوة عقب مشاهدتها إلى إعادة تذكر تفاصيلها والتفكير فيها طويلا، ذلك أن أسلوب الأخوين التوأم ألن وألبرت هيوغز في إخراجه يتميز بخصوصية يظل لمعانها باقيا في الأذهان، فضلا عن تشابه موضوعه مع أفلام أخرى أخذت المنحى نفسه عن نهاية العالم وقدمت في عام 2009 ومنها «2012» و«الطريق»، لكن إظهار وجهة النظر الروحية والفلسفية والدينية في هذا العمل الجديد تجعل المتفرج يراجع ويتأمل مفرداته ومغزاه.
خلال ساعة و58 دقيقة وهي مدة الفيلم، يأخذنا النجم دينزل واشنطن مع شخصية «ايلي» المحارب الوحيد الذي يملك قدرات خاصة لا نعرف من أين، يسير في اتجاه الغرب الأميركي خلال رحلة طويلة بدأها منذ 30 عاما، حيث نتعرف على حقيقة أن البشر دمروا الأرض وأنهوا حضارتها وأصبحت ركاما وكل ما فيها حطاما، وغلافها الجوي غير محميا من الشمس التي تبث أشعتها بقوة ويخفي الناجون عيونهم منها بنظارات شمسية خوفا من إصابتهم بالعمى.
وأثناء تنقل «ايلي» من مكان إلى آخر يتعرض لمعارك طاحنة من عصابات شرسة وآكلي لحوم البشر، في دلالة إلى نضوب الأرض بالماء والطعام، ويمر على مدينة بدائية صغيرة يحكمها كارنغي «غاري أولدمان» الذي يسعى إلى العثور عن النسخة الأخيرة من كتاب مقدس بعد أن أحرقت الحروب كل الكتب، ويفاجأ بأن «ايلي» يحتفظ به ويقرأه يوميا ويحميه باعتباره آخر أنجيل على الأرض، ويحاول كارنجي بالقوة والقتال الاستيلاء على هذا الكتاب لاستمرار سيطرته على الشر، وينجح في ذلك لكنه يواجه نهاية مفجعه عندما يجد ورق الكتاب مكتوبا بطريقة برايل التي يستخدمها فاقدي البصر.
يخوض دينزل واشنطن مواجهات مميتة في فيلم غريب مليء بالأكشن، تقع أحداثه في المستقبل وذلك من أجل حماية هذا الكتاب وما فيه والذي يتصور أنه يحتوي على معلومات قد تشفع للبشرية وتعمل على تحقيق مجتمع حضاري، وتتضمن الأحداث خلفية دينية تسعى لإظهار العنف وإبراز نهاية العالم، مثل ترديده لجملة (سر في طريقك ليس هذا من شأنك) عندما يشاهد صراع الناس على المأكل والمشرب.
أو عندما يشكر الرب على معطياته للإنسان خلال صلاته قبل الطعام، أو تعليمه للفتاة سولارا «ميلا كونيز» بعض مما هو موجود في الكتاب المقدس، والتي تشعر أمها بالأمان على وجودها بجواره حيث تواصل سولارا حمل رسالته في نهاية الأحداث، بعد أن يصل مصابا برصاصة إلى مكان يتم فيه جمع تراث البشرية من المقتنيات والمعرفة ويوجد به مطبعة تقوم بطبع أنجيل (سفر التكوين)، الذي يتولى إملاءه كاملا نتيجة حفظه على مدار سنوات رحلته الطويلة، ويموت متأثرا بجراحه بعد أن يتجاوز فكرة صراع الخير والشر ليصبح مضمون الفيلم أكثر عمقا.
«كتاب ايلي» الأخاذ، الممتع بصريا، المتسم بخياله الجامح، وأصالته الفنية، والذي قام بتصويره المصور المعروف دون بيرجز، وكتب السيناريو له جاري واتيا، يدفع المتفرج إلى التفكير في الأثر الفظيع للحروب، ليس على من يفقدون حياتهم في أتون المعارك وحسب، بل على الموت المستمر بفعل الناجين الذي يصيبهم القلق واليأس فيقتلون بعضهم حرصا على البقاء، قبل أن يظهر شخص يحمل رسالة دينية تهدف إلى تصحيح تلك الأوضاع اللا إنسانية، وتدور معظم مشاهد الفيلم في غياب الشمس ولا نرى سوى القمر ليلا ما يعطي إحساسا مقبضا بحياة من يعيشون على الأرض بعد دمارها.
ويحسب لهذا الفيلم أيضا ضبط إيقاعه، فالتاريخ الفني «للأخوة هيوغز» يشهد لهم بالتميز، رغم أن رصيدهم من الأفلام لا يتجاوز الرقم ستة، ويأتي هذا العمل بعد فيلم «الجحيم» الذي حققاه عام 2001.
بدأ تصوير مشاهد فيلم «كتاب ايلي» في فبراير 2009 في مدينة نيو مكسيكو، وافتتح في الولايات المتحدة في 15 يناير الماضي في 3111 صالة سينما، وحقق في ليلة افتتاحه 672. 11 مليون دولار، وحصل على تقدير مقبول من النقاد، وتوقع ناقد مجلة فارايتي «تود مكارثي» أنه سيكون أكثر أفلام دينزل واشنطن شعبية وتحقيقا للإيرادات، وينصح روجر ألبرت من «شيكاغو صن تايمز» الجماهير لمشاهدته وقال إنهم لن يندموا على مشاهدته
أسامة عسل


