قضايا مهمة، يناقشها كتاب «الإسلام والدولة المدنية» للدكتور عبدالمعطي بيومي في طبعته الجديدة، فالنقاش الدائر الآن حول الدولة الإسلامية وانحسارها في أنها دولة دينية تمت بشبه ما إلى شكل الدولة الدينية التي سادت في العصور الوسطى في أوروبا التي قامت على الإقطاع وتحالف السلطة الدينية مع السلطة المدنية.

ومن خلال هذا الكتاب الذي لا تتجاوز عدد صفحاته المائتين وصدر في طبعتين: الأولى عن مكتبة الأسرة والثانية عن دار الهلال، يدعو المؤلف إلى ضرورة توجه فكرة الإصلاح المتداول في عالمنا العربي الآن إلى أعماق الثقافة العربية الأصيلة التي تعود إلى الذات، أو إلى الجذور قائلا: «لعل المشروع الإصلاحي ينطلق من خطاه الأساسية من تراث هذه المنطقة ومن عمق ثقافتها وحضارتها التي علمت العالم، وأنتجت فكراً سياسياً مدنياً راقياً تتلمذ عليه فلاسفة الإصلاح في أوروبا».

ومن هذا المنطلق يتناول الكتاب الدولة المدنية في الصورة الأولى للإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين بقراءة جديدة لتراث قديم في ضوء حاجتنا وواقعنا المعاصر، ويعرض لكيفية بناء الرسول صلى الله عليه وسلم دولة مدنية تقوم على الديمقراطية التي تنتجها الشورى الأصيلة في الإسلام.

تضمن الكتاب ثلاثة أبواب، عنون الباب الأول ب«أسس الدولة المدنية الإسلامية» أكد فيه المؤلف أن الدولة الإسلامية دولة مدنية من الدرجة الأولى، تمثل فيها الأسس الدينية هدايات للعقل الإنساني المدني، مبيناً أن الدولة المدنية تقوم على أسس رئيسية وتتشكل على أساسها هياكلها ومؤسساتها، وتتمثل هذه الأسس في أن الأمة مصدر السلطة، وفصل السلطات الثلاث «التشريعية، القضائية، التنفيذية»، وعقيدة «أيديولوجيا» تشكل النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

أهم هذه الأسس في بناء الدولة هو الأساس الأول، كما يؤكد المؤلف، ويقول: إن الأمة هي مصدر السلطات، وبالتالي فإن الدولة المدنية تختلف عن الدولة الدينية التي ظلت تحكم العالم في الحضارات القديمة ردحاً من الزمن، وكانت هذه الدولة تقوم على الحق الإلهي في الحكم لبشر معينين، كما كان في الحضارة القديمة التي كانت تجعل الملك ابن الله أو هو المفوض من قبل الله في حكم الدولة، كالحضارة المصرية القديمة وحضارة فارس القديمة، والحضارة الأوروبية في العصور الوسطى، بينما تقوم الدولة المدنية على أن الحكم هو حق الأمة، وهي صاحبة التفويض لمن تشاء، فكأن الأمة تحكم نفسها بنفسها.

أما بالنسبة للدولة الإسلامية فكان على رأس النقاط المهمة أو المحددات التي تحدد منطلق السلطة المدنية في هذه الدولة منذ نشأت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأمة مصدر السلطة بحيث لا تختلف هذه الدولة المدنية الأولى في أسسها ومعالمها عن أسس ومعالم الدولة الحديثة في عصرنا الحاضر بل تتفوق عليها.

وأول هذه الأسس والمحددات لقيام الدولة المدنية في الإسلام هو أن الأمة في النظام الإسلامي هي: مصدر السلطات فتعطي السلطة لذوي السلطة، فلم يتول حاكم في تاريخ الإسلام الحكم بناء على حق إلهي مطلق، أو أن الله خلقه ليكون حاكماً على أمة ما أو مجموعة بشرية، إنما كان الخلفاء يستمدون سلطتهم من البيعة.

ويتطرق المؤلف إلى الأساس الثاني للدولة المدنية في الإسلام وهو الفصل بين الديني والدنيوي، وتحديد الموقف ما هو من الدين وما هو من الدنيا تحديداً حاسماً وواضحاً يوضح هوية الدولة، وفي الوقت نفسه يفتح المجال واسعا أمام تطورها ونمائها وتقدمها باضطراد مستمر، ويغذي الاجتهاد البشري ويزكيه في التعامل مع أمور الدنيا وأمور الدين تعاملا لا يخل بشمول الإسلام للدين والدنيا معا.

بحيث لا تقف أنشطة الدولة في مجال من المجالات عن توالي الاجتهاد والتطور، وفي الوقت ذاته لا تنشأ سلطة دينية «كهنوتية» تتحكم في أمور الدين أو الدنيا وحدها، بحجة الوصاية على العقل البشري، أو تجميد الاجتهاد الإسلامي، أو تعطيل التطور بحيث لا تنشأ سلطة أخرى دنيوية تتسلط على أمور الدين، وذلك لتحقيق توازن عادل يحقق الاستقرار والتقدم استنادا لقول النبي صلى الله عليه وسلم أول من أسس للفصل بين أمور الدين والدنيا في الإطار الإسلامي في صحيح مسلم من حديث رافع «إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر».

ويؤكد المؤلف أن مبدأ الفصل بين السلطات مبدأ إسلامي في الأساس، وليس من إنجازات الحضارة الغربية كما يظن البعض.. مبينا أن الدولة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة سبقت إلى التمييز والفصل بين السلطات الثلاث «التنفيذية والتشريعية والقضائية»، وأن الحضارة الغربية إنما أخذت هذا الأساس من أسس الدولة الحديثة عن الدولة الإسلامية في الأندلس.

واستمدتها من مصادر الحضارة الإسلامية ووثائقها الأولى حيث قام النبي صلى الله عليه وسلم وهو بصدد بناء الدولة في المدينة بوضع عقد الوثيقة الشهيرة «وثيقة المدينة» لبيان الحقوق والواجبات بين فئات المجتمع، وحدد المرجعية عند حدوث أي خلاف، ما جعل هذه الوثيقة تمثل أول دستور إسلامي يحدد ملامح الدولة الحديثة وطبيعة العلاقات بين أفرادها ومنشأ القوانين فيها.

الأساس الثالث من الأسس التي يقوم عليها بنيان الدولة وهو العقيدة «الأيديولوجية» التي تشكل النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وفي هذا السياق يشير المؤلف إلى أن الإسلام جاء بعقيدة تقود الناس إلى الأفضل، فقد كان له عقيدة سياسية واجتماعية تمثل الأساس النظري أو العقدي «الأيديولوجي»الساري في كل تنظيماته وهياكله.

ويشير إلى ملامح العقيدة السياسية التي طبقها النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده التي تتضمن عناصر ثلاث: «الله، الإنسان، العالم»، يرى المؤلف أن هذه العناصر تمثل المحاور الرئيسية التي عمل عليها الرسول صلى الله عليه وسلم لتربية وتنمية الوعي في مكة، بحيث أصبحت النظرة الإسلامية إلى هذه المحاور تشكل أساسا للنظرية الإسلامية السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وفي الباب الثاني يعرض المؤلف لدعائم النظام السياسي والاجتماعي في الدولة المدنية الإسلامية التي تتمثل في الحرية والمساواة والعدل والشورى، مؤكداً أن بهذه الدعائم يكون الحكم إسلاميا وبغيرها أو بغير واحدة منها لا تتحقق له صفة الإسلام.

ويتطرق إلى مفهوم الحرية موضحاً أنها تحقيق الحرية الإنسانية الكاملة في شتى مظاهرها الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية ثم تحقيق المساواة والعدالة بكل معانيها بين أفراد الإنسانية، تلك التي جعلها الإسلام الإخوة الجامعة بين كل الناس، بالإضافة إلى تطبيق مبدأ الشورى والديمقراطية ليتحقق العدل ويسود السلام الاجتماعي.

ويجمل المؤلف في الباب الثالث مظاهر الدولة المدنية الإسلامية في عدة نقاط أولا: مقومات التحول إلى الديمقراطية بأن يشعر الإنسان بحريته، وأن يدرك تماما أنه مسؤول أمام الله قبل أن يكون مسؤولا أمام أي جهة أخرى، ثانيا المواطنة، وكيف أن الدولة المدنية التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم أعطت حق المواطنة لجميع مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية، ثالثا التعددية والحوار وقبول الآخر وسيادة القانون، رابعا تداول السلطة بما يحقق الصالح العام للأمة.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية