القرآن الكريم هو دستور الحياة وشريعة المجتمع الإنساني حمل للبشرية وسائل التمكين في القلوب، وكان من هذا أن عرض الكثير من صور الجدل ومواقف العبر والعظات ودلائل التعرف على المولى عز وجل وشهود قدرته وحكمته وجلال عظمته إلى غير ذلك مما اشتمل عليه من تعاليم وأحكام وزواجر ونواه وقصص وتهذيب وتربية.
القرآن الكريم من أعظم القربات عند الله لمن قرأه ولمن استمع وأنصت إليه وتدبر معانيه وعاش معهم بالكلية وهناك آيات وأحاديث كثيرة تدل على عظم وفضل قراءته والاستماع إليه.
كنت منذ فترة أجلس مع مجموعة من الأصدقاء ودار حديث بيننا في أمور الحياة، وأثناء الحديث كان الراديو مفتوحاً على القرآن الكريم، كان القارئ يقرأ ولم يستمع إليه أحد، فطلبت من الأخوة في رفق غلق الراديو أو الإنصات إلى القرآن، فرأيت البعض قد تململ في جلسته والبعض الآخر استحسن الرأي وتم ما طلبت ثم تناولت الحديث وبينت فيه آداب قراءة القرآن وآداب الاستماع إليه كي نستفيد من كل كلمة تقرأ وتسمع فقراءة حرف واحد منه بعشر حسنات كما جاء في الحديث الشريف.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول (الم) حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ويقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه إذا سمعت الله عز وجل يقول: «يا أيها الذين امنوا..» فاستمع وأنصت فإما أن يكون أمراً عليك أن تأتمر به، وإما أن يكون نهياً عليك ان تجتنبه.
وعلى هذا فإننا إذا رصدنا أحوال النفس الإنسانية وهي بمشهد من القرآن وبمحضر من عظمته وجلاله فإننا نجد في القرآن الكريم أموراً كثيرة انفرد بها عن كلام البشر فخلصت به دون غيره من الكلام ومن هذه الأمور الصدق المطلق المصفي الذي لا يتعلق به شك أو ارتياب، وهذا الصدق يجعل لكلماته الأثر القوي على النفوس وهذا السلطان المتمكن من القلوب ومن الضمائر ومن العقول وكان أشد رجال قريش عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ولهذا القرآن يأتون سراً يستمعون إلى القرآن ويتطلعون إلى سقطة فيه أو عيب فيلقاهم هذا الصدق الذي فيه والحق الذي معه فإذا هم في مجال سلطانه لا يستطيعون منه انفكاكاً.
فهذا الفاروق عمر رضي الله عنه قبل إسلامه ورغم عداوته في الجاهلية للرسول صلى الله عليه وسلم عندما استمع إلى صدر سورة طه أسلم ودخل في الإسلام عن حب، فالقرآن حجة لمن اتقى الله واعتبر بما فيه وحجة على من خالف منهجه ولم يعتبر.
يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ومن تلاها كانت له نواراً يوم القيامة.
فهذا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد استمع إلى قارئ يقرأ القرآن ذات ليلة وقف وأنصت للقارئ حتى إذا وصل إلى قوله تعالى: «إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع»، فإذا بسيدنا عمر يخر مغشياً عليه، وحمله الناس إلى داره وظلوا يعودونه شهراً كاملاً ولا أحد يدري سبب علته ولعلي أقول هذا للأخوة الذين يقضون أوقاتهم على المقاهي، إما في الحديث حول أمر من أمور الدنيا أو في اللعب ويعلوا صوتهم وقد يكون الراديو مفتوحاً والقارئ يقرأ ولا أحد يستمع إليه فلنتق الله عند سماع آي الذكر الحكيم ولننصت في خشوع لسماعها حتى تتنزل علينا رحمات الله وتجلياته.
قال تعالى «وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون» (الأعراف 204)
حامد واكد