قال الشيخ: يتابع ابن القيم رحمه الله في توصيف القلب السليم فيقول: خلصت عبوديته لله إرادة ومحبة وتوكلا، وإنابة وإخباتا وخشية ورجاء، وخلص عمله لله، فان أحب أحب في الله، وان أبغض أبغض في الله، وان أعطى أعطى لله، وان منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله صلى الله عليه وسلم فيعقد قلبه معه عقدا «محكما» على الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد.

في الأقوال والأعمال،من أقوال القلب وهي العقائد، وأقوال اللسان وهي الخبر عما في القلب،وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها،وأعمال الجوارح فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دقه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل كما قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) أي لا تقولوا حتى يقول ولا تفعلوا حتى يقول.

ويتابع رحمه الله: قال بعض السلف:ما من فعلة وان صغرت إلا وينشر لها ديوانان

لم ؟وكيف ؟ أي لم فعلت ؟وكيف فعلت..فالأول سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه....ومحل هذا السؤال: هل كان عليك أن تفعل هذا لمولاك أم فعلته لحظك وهواك ؟ والثاني سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد هل هو مما شرعته لك على لسان رسولي أم كان عملا «لم أشرعه ولم أرضه،فالأول سؤال عن الإخلاص والثاني عن المتابعة،فان الله سبحانه وتعالى لا يقبل عملا» الا بهما، وطريق التخلص من السؤال الأول تجريد الإخلاص، وطريق التخلص من السؤال الثاني بتحقيق المتابعة وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص وهوى يعارض الأتباع ( اغاثة اللهفان ).

والمستفاد من كلام ابن القيم ان من صفات القلب السليم تحكيم شرع الله ورسوله والإخلاص كباعث على كل عمل والمتابعة لما شرع في القرآن الكريم والسنة النبوية والابتعاد عن الابتداع في العبادات والأحكام.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم {يقول الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا« فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك } وقال حذيفة المرعشي: (الإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن )كما قال الفضيل بن عياض: (ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما). وفي الإخلاص أيضا «قال الجنيد رحمه الله: الإخلاص سر بين الله تعالى وبين العبد لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله.

أما الابتداع فقد ورد عن سفيان الثوري رحمه الله:أن البدعة أحب إلى ابليس من المعصية لأن البدعة لايتاب منها والمعصية يتاب منها.

قال ابن تيمية رحمه الله: ان المبتدع الذي يتخذ دينا« لم يشرعه الله ورسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنا» فهو لايتوب مادام يراه حسنا «لان أول التوبة العلم بان فعله سيئ ليتوب منه أو بأنه ترك حسنا مأمورا» به أمر يجاب أو أمر استحباب ليتوب فيفعله (التحفة العراقية).

وفي تفسير الجيلاني: { القلب السليم هو القلب الخالي من الميل إلى الهوى ومزخرفات الدنيا، الخالص من رعونات العجب والرياء، المخلص في التوجه نحو المولى بلا طلب الثواب من الجزاء بل لمحض الرضى والامتثال بما أمر الحق ونهى عنه راضيا«في كل الأحوال بما جري عليه من نفوذ القضاء 4/74-75 }

والإخلاص في التوجه المقصود هنا ليس ترفعا« عن طلب الثواب والجزاء أو دفع العقاب والعذاب، وإنما هو من لوازم المحبة لذي الجلال والجمال والتلذذ بالحضور مع الله عز وجل والأنس به، أما الرضى فهو الثمرة الطيبة للمحبة الخالصة اذ ما من حال يحل إلا وبقضائه سبحانه وتعالى والمحب لا يعترض على مراد المحبوب.

هذه بعض معاني القلب السليم الذي عزمنا بإذن الله على البحث في لوازمه وشروطه وسبل الوصول اليه على أن نفصل في هذه الأحوال والصفات فيما يأتي بإذن الله ان كان في العمر بقية.

ماهر سقا أميني