جولة تسوق.. كيمياء الأمهات والبنات

جولة تسوق.. كيمياء الأمهات والبنات

على غير هدى بدأت رحلتها المسائية في شوارع المنطقة المجاورة لمنزلها، حيث الحياة في شوارع المدينة سهلة الالتهام، كل ما تشتهي العين واليد مستلقٍ على مد البصر، الأمور تجري بشكلها المعتاد.. هاتف لاستدعاء السائق، والخادمة تترك ما في يديها «علشان تونّس البنت».. أما بقية الأبطال فغائبون عن مسرح أحداث شبه يومي.. تُطل وتغيب عنه بعض الصديقات، وتبقى الخادمة مشهداً ثابتاً.

إلى «الكوفي شوب المجاور» لشراء قهوة المساء على عجل.. المول القريب أفضل مكان لجولة التسوق العشوائية، مكالمة معتادة ـ من باب الاطمئنان ـ للأم الغارقة في أحاديث نسائية.. «سيري حبيبتي.. وودي الخدامة.. البنت ملانة وضايق خلقها.. خلها تتفرج، أحسن لها عن قعدة البيت..»، فالشراء عملية نفسية أثبتت جدوى رياحها في جلاء غمام الكآبة الذي يعتري البنات أحياناً.. فكان لا بد من قرص تسوق لتهدئة الأعصاب، عندها يُصبح المال هماً لا بد من القضاء عليه في رحلة تسوق.

بينما تجول في محلات الملابس والأحذية، والخادمة تتبعها حاملة أكياساً ثمنها الترويح عن النفس، كانت العباءة تفتح ذراعيها أمام المارة، شيء ما غير منسجم.. لا يشبه ما اعتادت على ارتدائه البنات في مجتمع تحفه مفاهيم الحشمة والستر، ما ظهر يكشف عن تفاصيل الجسم ويفضح معالمه، الشيلة بالكاد تُغطي كومة الشعر الملطخ بألوان الخريف والشتاء وتوابعه من حشو.. طلاء الأظافر الفسفوري.. و«زنوبة» بنفس درجة الطلاء.. تلك بعض من ملامح موضة السروال المطاط التي تغزو خزائن البنات، فهو يُلبي مختلف الأذواق ويتوفر بكافة المقاسات، والحياة العصرية تفرض ارتداء كل ما هو مريح، فلا بد من اقتنائه، طبعاً بعد أخذ رأي الخادمة، من باب المشاركة والمسؤولية.

لا تدري الأم في أي هيئة خرجت ابنتها المراهقة، وإلى أي المحلات تتجه، وكم تُنفق في شراء الملابس والإكسسوارات، فالبنات أعلم بما يناسبهن على حد قولها، ولكل حد زمانه، وما ارتدته الأم لا يمكن أن ترتديه ابنتها، وإلا بدت مختلفة عن صديقاتها وغير منسجمة معهن.

تلك الهيئة لا تبدو مختلفة عما تظهر عليه البنات في أروقة الجامعات والكليات، والإيقاع السريع للحياة ذهب بالحشمة وأبقى على المرونة والحياة العملية، فلا العباءة تشبه العباءة، أكمام واسعة وأذرع مفتوحة، وحشمة في مهب الريح.

لا لوم على العباءة، فهي تشبه بعض البنات.. ضحية تخلت عن الاعتناء بها الأم.. ورمتها في عنق الخادمة، فتولت الخادمة تفكيكها.. وإعادة رسمها وما تحتها برؤية هجينة، فأضحت خارج أسوار المجتمع والثقافة المحلية.

قد تبدو رحلات التسوق أمراً كمالياً، ولكنه مفصلي. ففي التسوق عين رعاية أخرى.. ترمق بها الأمهات مظهر بناتهن، وتطمئن الابنة لوجود رقيب لا بد من استشارته، واحترام رأيه. فالشراء كيمياء تتفاعل في جزيئاتها مودة وينتج عنها تآلف.. في الأفكار والأذواق. اقتناء الأقمشة.. زيارة محل الخياطة.. اختيار معالم الصورة النهائية للفتاة تجربة لا تحتاج أن تخوضها الخادمة، ومناطق محظورة لا يجوز أن تطأها قدماها.

وحدها الأم تدرك أبجديات العناية بابنتها، لتبدو كل منهما في كامل أناقتها. فالطفلة التي مشّطت شعرها ذات يوم دراسي.. و أحكمت إقفال أزرار قميصها، تستحق رفقتك في جولة تسوّق وهي فتاة.

أمل الفلاسي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات