إجراءات عملية لزيادة إنتاجية أصول الغاز والبترول في الإمارة

ثروة دبي النفطية قصة عنوانها «الإصرار والتحدي»

مر الإنتاج النفطي في إمارة دبي بمراحل يحلو لبعض المحللين تلخيصها تحت عنوان واحد مشترك وهو «الإصرار والتحدي» بأن يكون هذا المورد الحيوي شرياناً يضخ الحياة بالاقتصاد والمجتمع. وذلك على الرغم من تميز كل مرحلة بخصائص اجتماعية واقتصادية متفردة، حيث تحول النفط من كونه المورد الوحيد للثروة التي انعقدت عليه الآمال لتحقيق النهوض والرقي الاقتصادي إلى أحد الموارد الرئيسية للدخل كنتيجة لاستراتيجية التنويع الاقتصادي التي اتبعتها الإمارة.

وقد حسرت الإنجازات الضخمة التي حققتها الإمارة في مجال صناعة الخدمات، الضوء عن حقيقة كانت ناصعة أمام الأعين في يوم من الأيام، وهي امتلاك إمارة دبي سجل تاريخي في عالم إنتاج وتصدير النفط منذ العام 1969 مع تصدير أول شحنة من النفط المنتج من حقل ( فتح) في 22 سبتمبر 1969 بلغت كميتها 180 ألف برميل. كما أن إمارة دبي تمتلك احتياطياً مؤكداً من النفط يصل إلى 4 مليارات برميل و117 مليار متر مكعب من الغاز.

وتؤكد تلك الأرقام أن هناك أفقاً واعدة للإنتاج النفطي في الإمارة، بأن يعاود مجدداً مسار النمو والصعود، وليس التراجع والانكماش، وبالتالي، تكمل الإمارة الحلقة المفقودة في نموذج تنويع البنيان الاقتصادي الذي تطرحه على البلدان المنتجة للنفط، وهي أن تطوير الثروة النفطية ليس مناقضا للعمل على خلق مجالات وأنشطة اقتصادية جديدة.

الانتقال السلس للثروة النفطية

وسطرت إمارة دبي صفحة جديدة في تاريخها النفطي في نوفمبر 2006 بتوليها السيطرة المباشرة على موردها البترولية البحرية، بعدما وقعت حكومة دبي اتفاقاً مع شركة بترول دبي، تصبح الشركة بموجبه مسؤولة عن إدارة حقول النفط وعن كل العمليات التجارية المتصلة بإنتاج النفط والغاز في دبي، وبهذا الاتفاق، انتهى الدور الذي قامت به شركة «كونوكوفيليبس» على مدى أربعين عاماً بوصفها صاحبة الامتياز والمالكة لشركة بترول دبي.

وجاءت استعادة إمارة دبي حقوق الامتياز على مواردها النفطية البحرية من شركة كونوكوفيليبس في سلاسة وهدوء، مسجلة بذلك حالة أخرى في التاريخ ضمن الحالات القليلة التي جرى فيها الانتقال السلمي والهادي لثروة نفطية إلى المالك الأصلي، وبالتالي، لم تصنف هذه الحالة ضمن الحالات المثار حولها الكثير من الجدل السياسي حول بواعثها والعوامل المحركة، بل تناولتها أقلام المحللين على أنها صفقة ترتكز على جوانب فنية وتجارية محضة، ومن ثم، لم يجد الأطراف المعنية صعوبة في إخراجها على الملأ، وهم يشعرون بكامل الرضا.

ولم تتلقفها وسائل الإعلام على أنها قضية خلافية جديدة على غرار القضايا الأخرى الناشبة في مناطق مختلفة من العالم، بدءاً من روسيا ومروراً بالقارة الإفريقية وانتهاءً بدول أميركا اللاتينية المنتجة للنفط، بل ولم يجر إدراج الصفقة ضمن خانة حالات تأميم الموارد النفطية التي شهدتها منطقة الخليج في تاريخها المعاصر.

وكانت حكومة دبي قد أعلنت في العام المذكور نهاية أول امتياز تاريخي تحصل عليه شركة بترول في حقول نفط دبي البحرية وبداية حقبة جديدة تتولى فيها إمارة دبي السيطرة المباشرة على مواردها البترولية البحرية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن شركة بترول دبي التي أدارت الإنتاج في تلك الحقول على مدى 40 عاماً هي شركة مملوكة بالكامل لشركة كونوكوفيليبس (المدرجة في بورصة نيويورك بالرمز دذ) ولجزء من كونسورتيوم شركات) ذ/ِّقفى حفْيَم ءْمفَّ جيٍيُّمل فيصحءلا) الذي يوجد فيه نصيب لشركات توتال الفرنسية)، وريسبول واي.بي.إف الأسبانية، وآر.دبليو.إي الألمانية، وكذلك من خلال شركة وينترشول بي. إيه. إس. إف الألمانية.

وبدا واضحاً للمحللين حينذاك أن قضية الإنتاج تعتبر المحرك الرئيسي للأطراف في الدخول في مباحثات أسفرت عن التوصل إلى اتفاق على هذا النحو، على اعتبار أن هذا الاتفاق سيهم في زيادة إنتاجية وإطالة عمر حقول إنتاج النفط البحرية الأربعة وهي فتح، وفتح الجنوبي الغربي، وراشد وفلاح، ووفقاً للأرقام، فقد تراجع الإنتاج النفطي للإمارة من 350 ألف برميل يومياً في عام 1995 إلى حوالي 140 ألف برميل يوميا في عام 2005، وسجل الإنتاج في عام 1991 أعلى مستوى له، بوصوله إلى 400 ألف برميل يومياً.

وبمعزل عن أية حسابات أخرى، فإن المنطق الاقتصادي الرئيسي الذي ربما انطلق منه موقف حكومة دبي بخصوص هذه القضية الحساسة أن هناك إمكانيات ضخمة لتطوير هذه الحقول، حيث يسمح التقدم التكنولوجي في مجال صناعة النفط بتطوير بدائل عديدة في مجال التنقيب عن النفط واستخراجه وإطالة أعمار الحقول وزيادة كفاءة الإنتاج، حيث انه على الرغم من تراجع الإنتاج النفطي للإمارة، إلا أنه ما زال يسهم بحصة متواضعة من إجمالي النتاج المحلي للإمارة.

ترجمة الخطط إلى واقع

وقد ترجمت حكومة دبي خططها الرامية لتعظيم إنتاج أصول حقولها النفطية إلى واقع من خلال اتخاذ إجراءات عملية تكفل تطوير هذه الأصول، بما يضمن إنجاز الهدف الرئيسي وراء قرار الإمارة استعادة سيطرتها على ثروتها من النفط والغاز، والمتمثل في الحفاظ على مكانتها في معادلة النفط والغاز، ووقف تراجع إنتاجية هذه الحقول من خلال الاستعانة بالتكنولوجيات الحديثة لإطالة أعمارها وزيادة إنتاجيتها.

وتجسدت الإجراءات العملية في قيام شركة «بيتروفاك» بإرساء عقد قيمته عدة ملايين من الدولارات علي شركة «إس بي دي» لتقديم خدمات الإدارة الهندسية لحقول دبي البحرية، وجاء الإعلان على التوقيع على العقد بعد وقت وجيز من توصل شركة «بيتروفاك» إلى اتفاق مع مؤسسة نفط دبي، بدأ سريانه في 7 أغسطس 2006، تولت بموجبه مسؤولية إدارة المنشآت وسلامة عمليات الإنتاج وإدارة الآبار في أصول دبي البحرية والتي تضم أربع آبار بحرية وحوالي 70 منصة حفر.

وقبل إسدال عام 2006 لأستاره، وردت أنباء عن تعاقد شركة بيتروفاك مع شركة «إس بي دي» لتقديم الخدمات الهندسية في إدارة أصول دبي من النفط والغاز والذي يستغرق تنفيذه مدة 5 سنوات .وبقدر ما مثل العقد بداية عملية لتنفيذ إمارة دبي لتطلعاتها بزيادة إنتاجية أصولها من النفط والغاز، فإنه وبالقدر ذاته، أسس العقد لشركة «بي دي سي» بداية مرحلة نوعية جديدة في إطار خططها الرامية إلى تعظيم تواجدها بأسواق الشرق الأوسط، وذلك أسوه بأهمية العقد الذي حصلت عليه شركة بيتروفاك عندما تولت إدارة حقول دبي البحرية، حيث توالت على الشركة العقود من دول عديدة في الشرق الأوسط، ويأتي في صدارتها كل من مصر وتونس وسلطنة عمان.

ويعد العقد الذي فازت به شركة «إس بي دي» جزءاً حيوياً من محفظتها الاستثمارية الآخذة في التوسع في مجال إدارة عمليات الآبار التي تغطي العديد من المناطق في أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، وتمتلك الشركة شبكة من المكاتب في كل من الإمارات والمملكة المتحدة، وتختص بتقديم خدمات الإدارة الهندسية لمنشآت الطاقة في مجالات التكرير والتوزيع والإنتاج والتنقيب.

ومثل النفط بالنسبة لدبي في الماضي القريب الحل العملي والواقعي للارتقاء بالاقتصاد والنهوض بمستويات المعيشة، حيث كانت دبي قبل اكتشاف النفط تعتمد على التجارة وصيد الأسماك واللؤلؤ كمصدر أساسي للدخل. ثم تعرضت تجارة اللؤلؤ لكساد كبير في ثلاثينات القرن الماضي بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني وانتشار استخدامه على نطاق عالمي واسع. وكانت الغالبية العظمى من مواطني دبي يسكنون في بيوت من سعف النخيل ويعتمدون في غذائهم على التمر والسمك واللبن. وفي حقيقة الأمر كان ذلك هو واقع الحياة في معظم أجزاء منطقة الخليج العربي قبل ان يشرق فجر صناعة النفط في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية.

دبي إمارة نفطية

وكان المغفور له بإذن الله الشيخ راشد مصمماً على أن تصبح دبي إمارة نفطية خاصة بعد أن بدأت بوادر الانتعاش تظهر في اقتصادات دول مجاورة مثل المملكة العربية السعودية البحرين والكويت. وبعد أن أظهرت تقارير جيولوجية مؤشرات ايجابية على وجود النفط في دبي. تم تشكيل شركة امتيازات البترول المتحدة في عام 1935 ومنحت حكومة دبي هذه الشركة امتياز التنقيب عن النفط في أراضيها في عام 1937 وذلك بعد مرور خمس سنوات على اكتشاف النفط في البحرين التي شهدت ازدهاراً لم يسبق له مثيل وأصرت دبي على توظيف مواطنين من دبي في الشركة على ان اندلاع الحرب العالمية الثانية أوقف عمليات التنقيب عن النفط في دبي مما اجل دخولها عصر الازدهار النفطي.

ثم استؤنفت عمليات استكشاف النفط بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، ولم يكن الشيخ راشد، الذي كان يقوم آنذاك بالتفاوض بالنيابة عن أبيه يشعر بالارتياح تجاه الشروط التي كانت تنص عليها اتفاقيات التنقيب عن النفط مع بعض دول المنطقة والتي تحصل بموجبها حكومات تلك الدول على عشرين بالمئة فقط من الأرباح.

وقد استطاع الشيخ راشد ببراعته التفاوضية ان يطالب بحصة متساوية من الدخل المحصل من النفط مناصفة مع شركة النفط الإنجليزية الإيرانية (أنجلو إيرانيان أويل كمباني) ولدهشة العاملين في صناعة النفط قبلت الشركة بشرط الشيخ راشد. مع ذلك فان اكتشاف النفط في المناطق البرية لم يصادف نجاحا. فأوقفت الشركة الحفر وأعيد الامتياز إلى الحكومة في عام 1971.

ولم تتوقف الجهود لاستكشاف النفط حتى تم العثور على الذهب الأسود في المناطق البحرية وبالتحديد في حقل (فتح) في عام 1966 فكان ذلك إيذانا بدخول دبي عصر النفط وقد اختار الشيخ راشد بنفسه اسم فتح لأول حقل نفطي ليكون بمثابة فاتحة خير على البلاد وشعبها، وكانت حكومة دبي قد أنشأت قبل ذلك شركة نفط دبي (دي . بي . سي) في عام 1963. وفي اتحاد قوي من الشركات العاملة في هذا المجال تنضوي تحت لوائه شركة اميريكان كونتننتال (كونوكو) وشركة كومباني فرانسيز دوبترول. بالإضافة إلى شركة ربسول الأسبانية وشركة ارد دبليوتي . دي ثى ايه . و . وينترسول.

إنتاج النفط

وبدأت دبي إنتاج النفط رسمياً في السادس من سبتمبر عام 1969، إذ تم اكتشاف البترول في المنطقة البحرية في دبي من قبل شركة (دي بي سي) بتاريخ 6 يونيو 1966 باستعمال باخرة الحفر «كلومارتاسمان» ولقد ثبت أن الاكتشاف يشير إلى وجود حقل مهم بعد أن تم حفر بئرين استكشافيتين في سنة 1967 جنوب غربي وشمال غربي البئر الأولى وعلى مسافة ميلين.

وقامت شركة بترول دبي بتطوير حقل فتح بأسرع ما يمكن وقد بدأ الإنتاج رسمياً على نطاق محدود بتاريخ 6/9/1969، كما تم بتاريخ 22/9/1969 شحن أول شحنة من بترول دبي البالغة (180) ألف برميل وبذلك فقد أصبحت دبي بلداً مصدراً للبترول. وفي 9 نوفمبر عام 1970، تم اكتشاف الحقل البحري الثاني على بعد 10 أميال تقريباً جنوب غربي حقل فتح. وبدأ الإنتاج من حقل جنوب غربي فتح بتاريخ 16 أكتوبر 1972 ويتم نقل إنتاج هذا الحقل بواسطة خط أنابيب إلى خزانات فتح بحيث يتم التصدير منها. وتوالت بعد ذلك عمليات استكشاف النفط في دبي.

فيما قام الشيخ راشد بإبرام اثني عشرة اتفاقية في الفترة ما بين أكتوبر 1982 ونوفمبر 1983. وتم شحن أول ناقلة بالبترول في 22 سبتمبر 1969 بحمولة 180 ألف برميل. وفي التاسع من نوفمبر 1970 تم اكتشاف حقل النفط الثاني في جنوب غرب حقل فتح وبدأ إنتاجه في عام 1972.

وطالب المغفور له بإذن الله الشيخ راشد في عام 1970 شركات النفط بأن تزيد حصة دبي من دخل النفط من 50% إلى 55% وشهدت أسعار النفط ارتفاعاً هائلاً إبان حرب السادس من أكتوبر عام 1973 والتي حقق فيها العرب انتصارهم المشهود على إسرائيل، وفي عام 1972 جرى حفر بئر استكشافية في حقل فلاح، وبدأ في الإنتاج في يونيو 1978، كما اكتشف حقل راشد في عام 1973 وبدأ الإنتاج في مارس 1979، وكذلك تم اكتشاف حقل مرغم في عام 1982.

المكانة النفطية الثانية

تأتي إمارة دبي في المكانة الثانية بعد إمارة أبوظبي، بالنسبة لأهميتها البترولية وذلك من حيث إنتاجها ومن حيث احتياطيها من البترول. وقد تأسست شركة نفط دبي المحدودة (DPC). بالأصل لتشغيل امتياز في البر حصلت عليه شركة (كونوكو) في دبي سنة 1963 وفي سنة 1964 قامت الشركة ببيع قسم من الامتياز المذكور إلى شركة دويج ارزاويل (دي أي أي) والتي أصبحت تابعة لشركة تكساكو والى شركة بترول صن أويل. وحيث ان التحري والآبار الاختيارية الثلاث التي تم حفرها لم تسفر عن نتائج فقد أعيد الامتياز إلى الحكومة في سنة 1971.

وفي عام 1963 حصلت شركة (دي بي سي) لحساب (كونوكو) على نصف الحقوق في امتياز المنطقة البحرية والتي كانت ممنوحة إلى شركة دبي للمناطق البحرية ونتيجة للجهود الاستكشافية المبذولة في هذا الامتياز فقد اكتشف حقل (فتح) في سنة 1966، ويقع هذا الحقل على بعد نحو 60 ميلاً بحرياً من اليابسة، واكتشف حقل (جنوب غربي فتح) في سنة 1970.

دبي - مجدي عبيد

تعليقات

تعليقات