محمد أحمد شاب يبلغ من العمر 17 عاماً.. هو طالب في المرحلة الثانوية في دبي، يهدر معظم وقته خاملاً في شرك الانترنت؛ يدمن «الشات» مع الآخرين من كلا الجنسين، ويواصل لعب «البلياردو أون لاين» مع أشخاص داخل الدولة وخارجها لساعات دون أن يشعر أنه قد جاوز الوقت المحظور.
ويضيف انه خلال العامين الماضيين تعرف إلى العديد من أصدقاء الشاشة، لاسيما الفتيات.. وقد أصبح يتحدث معهن عبر «الماسنجر» والموبايل، وأمسى يعيش واقعاً مرهقاً، لاسيما في النواحي النفسية والاجتماعية وبالتأكيد الدراسية.. وحتى الآن ولا يزال يتأرجح في إطار دوامة الإدمان الالكتروني، وهو في البداية لم يجد من يرشده إلى كيفية تعامله مع تلك التقنية، واليوم يعيش شبه وحيد في عزلته مع الفضاء الالكتروني، والده كبير في السن، وأمه منشغلة في العمل، وأشقاؤه كما يقول «اللهم أسألك يا نفسي».
طريق الانحراف
حالة محمد يؤكدها الواقع غالبية الطلاب على مستوى إمارة دبي كما رصدت دراسة ميدانية، فقد اعترف نحو 50% من طلبة المرحلة الثانوية على مستوى الإمارة أنهم يترددون على مقاهي الانترنت بنسب متفاوتة، وأن ثلث عينة الذكور يتردد على تلك المقاهي مرتين في الأسبوع، يليها من يذهب إليها ثلاث مرات في الأسبوع، ثم من يتردد كل يوم، وذلك بنسب غير قليلة، وهو مؤشر يقود الطلبة إلى طريق الانحراف، لاسيما وأن غالبية عينة الدراسة التي أوجدها حسن بله موجه الخدمة الاجتماعية، أظهرت معرفة قوية في التعامل مع الانترنت.
الدكتور أحمد الخياط الخبير التربوي في وزارة التربية والتعليم استند على تلك المعطيات في دراسة أخرى حول الانترنت وإدمان الطلبة، خاصة وأن تلك المعطيات أظهرت أن أسباب إقبال الطلاب على مقاهي الانترنت تتلخص في ضعف رقابة الآباء، وقضاء وقت الفراغ، والبحث عن الممنوع ثم توفر السيولة المادية وانخفاض رسوم المقاهي، كما أكد الطلاب عينة الدراسة.
وبينت أن إسراف الطلاب في استخدام الانترنت قد أفرز آثاراً سلبية خطيرة، جاءت في مقدمتها الآثار الأخلاقية بنسبة 25%، ثم السلوكية بنسبة 19%، تليها الدراسية بنسبة 18%، والآثار الاجتماعية 14%، والآثار الصحية والنفسية 12% لكل منهما.
التحصيل الدراسي
71 من العينة المستطلعة أقروا أن للانترنت آثاراً سلبية على التحصيل الدراسي، لعل من أهمها إهمال الواجبات المدرسية والمذاكرة، وتدني المستوى الدراسي وعدم القدرة على التركيز، ونسيان ما تم مذاكرته.
نتائج خطيرة أخرى كشفت عنها الدراسة الميدانية، وهي أن 64% من الطلبة أجمعوا على أن للانترنت آثاراً سلبية على أخلاقهم، أهمها تبادل علاقات مع الجنس الآخر، يليها الإدمان على غرف المحادثة بنسبة 31%، ثم تبادل الصور الإباحية 28%، كما أشار 66% من العينة إلى وجود آثار سلبية على سلوك الطلبة، منها التعرف على أصدقاء السوء ونشر معلومات كاذبة وممارسة السلوك العدواني.
كما أكدت الدراسة أن للانترنت تأثيراً بالغاً على الطلبة من حيث التحصيل الدراسي، وخاصة الذين يمضون ساعات طويلة في استخدامه، وقد كشفت إحدى الدراسات أن 58% من طلبة المدارس المستخدمين للانترنت أقروا بانخفاض مستوى تحصيلهم وغيابهم عن حصصهم المقررة في المدرسة، فبالرغم من أن الانترنت يعد وسيلة بحث مثالية إلا أن الكثير من طلبة المدارس يستخدمونه لأسباب أخرى لا تمت للدراسة بصلة.
مقاهي الشباب
تلك المؤشرات الواقعية دفعت الدكتور أحمد الخياط إلى الإفصاح في دراسته عن أن المشكلة تبدو أكبر وأكثر تعقيداً وخطراً على الطلبة والشباب عموماً إذا ما تم رصدها في مقاهي الانترنت، إذ تقول الإحصائيات أن 90% من رواد مقاهي الانترنت تقل أعمارهم عن 30 عاماً، وهي سن خطيرة وحرجة جداً.
وكما يرى الخياط فإن ازدياد إقبال الشباب على مقاهي الانترنت يعود لأسباب عدة منها إهمال الآباء وضعف المراقبة الأسرية، والفراغ الشبابي، والهروب من الأعمال الجادة، وتوفر السيولة المالية لدى الكثيرين، لافتاً إلى أنه لا يمكن إجراء رقابة صارمة على الانترنت في ظل تفاقم فضول البحث عن الممنوع لدى المستخدمين الذين يلجأون إلى المقاهي خوفاً من انكشاف أفعالهم السلبية إن استخدموا أجهزتهم الخاصة.
الخياط في دراسته الميدانية سلط الضوء على قضية وجود بعض المواقع التي تحض على العنف والسلوك العدواني والجريمة، والتي قد تلحق الأذى بالممارسين، حيث تتنوع هذه المواقع لتشمل مواقع عنف وتعذيب وتصنيع كحول ومخدرات ومواقع عنصرية وأخرى لعمل أشياء غير مشروعة، ومواقع شراء كحول ومخدرات وما سواها.
مواقع جنسية
الدراسة أكدت أن شبكة الانترنت تقدم مواقع جنسية عديدة، وهي تجذب الشباب بقوة، فهناك مواقع يمكن الدخول إليها من خلال ممارسة الطلبة لحب الاستطلاع وعبر عناوين عامة.. والقائمون على تلك المواقع الإباحية يشجعون الدخول إليها بتسهيل الحصول على العناوين أو الاشتراك مقابل رسوم بسيطة.
وفي تعليق له على واقع الشباب الالكتروني، أوضح الدكتور أحمد الخياط أن مقاهي الانترنت حظيت في الآونة الأخيرة بنسب انتشار واسعة على مستوى الدولة، وقد تغلغلت في المجتمع بشكل يلفت الانتباه وهي تجذب إليها الشباب بشكل كبير، وذلك على حد تعبير الخياط جعل هذه المقاهي أوكاراً للاستخدام السيئ وغير المسؤول من قبل بعض الزبائن وتحديداً الشباب المراهقين الذين يغمسون رؤوسهم في غرف الدردشة والتنادي إلى المواقع الجنسية والإباحية التي لم يعلم بها الرقيب البشري، مؤكداً أن تلك المقاهي ساهمت بشكل كبير في ترسيخ آثار اجتماعية هدامة؛ في مقدمتها السرقة والانحرافات الجنسية والتسرب من المدرسة.
وبحسب الخياط، فإن الانترنت تعزز ظاهرة الانحرافات السلوكية إلى حد كبير، فالكثير من المواقع التي تطالها أيدي المراهقين تحض على العنف والسلوك العدواني والجريمة بشكل تفصيلي، وذلك يؤدي على المدى البعيد إلى قبول العنف وتعلم وتقمص الأساليب السلوكية الخاطئة عن طريق الدخول المتكرر إلى تلك المواقع، لاسيما وأنها تعرض بالتفصيل قصصاً وأخباراً عن الحوادث الإجرامية المتنوعة، وبالتالي من الممكن أن يقلدها أو يتعلمها المراهق ويمارسها على أرض الواقع.
استدراج المراهقين
وأشار الخبير التربوي إلى وجود الكثير من المواقف تتحدث عن مراهقين تعرضوا للاستدراج والإساءة والإفساد من قبل رفقاء سوء افتراضيين تعرفوا إليهم في غرف المحادثة.علاوة على ما سبق يشير الدكتور أحمد الخياط إلى أن الانترنت تعزز الظواهر والانحرافات السلوكية لدى المراهقين، حيث تمتلئ صفحات الانترنت بمجموعة من المواد الجنسية الخطيرة على جيل المراهقين، والتي تتضمن صوراً وأفعالاً وسلوكاً جنسياً، ووصفاً لعمليات جنسية وعنفاً جنسياً وأندية عري.
خطر
دخول من دون تأشيرة
على الرغم من الفوائد العديدة للانترنت إلا أن الخطر يبدو أعظم، فتلك الشبكة كما يؤكد الخياط هي في الحقيقة سم مدسوس، لكونها تفيض بكم هائل من المعلومات والمعارف التي لا تطالها حدود رقابية، حيث تدخل إلى بيوتنا دون تأشيرة دخول أو حارس بوابة يعترض طريقها، وتجدها سريعاً تكسر حجاب العادات وشروطها وتقاليدها المبنية على أعراف حميدة، وبحكم أن المراهقين يتسمرون كأداة طيعة لعالم يقود تفكيرهم، فهم حتماً سيكونون الضحية.
مشكلات
عزلة عن الذات
أكدت الدراسة أن مواصلة الشخص لفترات طويلة في عالم الانترنت تتسبب في عزله عن ذاته وعن المجتمع، وتضعف قدرته على مواجهة المشكلات الحقيقية للواقع، وهو ما يكرس الحلم بدلاً عن الوعي، والسخرية مكان الجد، علاوة على أن البقاء أمام شاشة الكمبيوتر لوقت طويل يعرض الشخص للإصابة بأمراض نفسية كالاكتئاب والأرق والانفصال النفسي والانطواء، ويؤدي إلى التعلق بعالم الأوهام والخيال خاصة لمن يدمنون على منتديات الحوار، إضافة إلى الإصابة بمشكلة نفسية أخرى تدعى «إدمان الانترنت».
ضعف
المواقع العربية تشكل 6. 1% فقط
أظهرت دراسات عربية وعالمية سابقة حول الانترنت أن اللغة العربية على الشبكة تعاني إلى حد لا يترك سوى الآثار السلبية على ملايين العرب المستخدمين للانترنت، لاسيما من حيث قلة المواقع العربية، فمن بين إجمالي 20 مليون صفحة الكترونية، يوجد فقط 323 ألف صفحة عربية، بنسبة لا تتجاوز 6. 1%، إضافة إلى ذلك فإن الندرة شديدة في أدوات النشر باللغة العربية كمواقع التصميم والواجهات الالكترونية، وهي لا ترقى إلى المواقع الأجنبية بأي تصور يذكر، وذلك من شأنه أن يدفع الشباب العربي إلى البحث عن مواقع أخرى تلبي فضوله المعرفي، وحتماً سيتأثر بثقافتها الدخيلة وسيبتعد عن جوهر ثقافته العربية والإسلامية.
وما يعزز الانحرافات السلوكية الخطيرة، افتقاد الأسر لأسلوب الحوار والنقاش وتبادل الآراء مع الأبناء، باعتبار ذلك من أنجح الأساليب في التعامل مع الأفكار والاتجاهات التي تتضمنها مواقع الانترنت، مع ضرورة توظيف الوالدين لهذا الأسلوب، كما أن بعض الأسر لا تراقب أبناءها وتسمح لهم بالتردد على مقاهي الانترنت ولا توعيهم حول هذا الموضوع، وهنا تظل الخطورة قائمة؛ لا بل ستزيد في المستقبل حينما تنعكس خطورة تلك السلوكيات على المجتمع الخارجي.
دبي ـ عنان كتانة


