في إطار تأكيد سينما المشاعر، يدفعنا المفكر السينمائي داوود عبد السيد إلى السباحة مجددا في عالم الرومانسية من خلال فيلم «رسائل البحر»، الذي يبدأ عرضه الأربعاء المقبل في عدد من الدول العربية بأكثر من 45 نسخه، حيث يمثل هذا العمل عودة للمخرج الكبير إلى صناعة الأفلام ـ حبه الأول ـ بعد غياب أكثر من 7 سنوات منذ أن قدم آخر أعماله «مواطن ومخبر وحرامي».

«رسائل البحر» هو لغة متميزة في الحب تغوص في الأعماق وتزيح الصدأ الذي تراكم بداخلنا بفعل عصر العولمة والوجبات السريعة وصفقات البورصة التي أصابت المشاعر بالبرود والتبلد، من خلال حالة عشق نادرة يجسدها «آسر ياسين» و«بسمة» في لوحة رسمها سيناريو مبدع يسترجع السينما إلى عهد الرومانسية، ليثبت أن الحب دائما هو الركن الأساسي في دوامة الحياة مهما التهمت مشاكلها طرق التعبير عنه.

قصة حب

يستعرض الفيلم قصة حب عاطفية تربط شاب وفتاة على شاطئ الإسكندرية، يفرق الجميع بينهما لكن البحر وحده يقف إلى جوارهما ويمنحهما المقدرة على المواجهة ليجدا نفسيهما في مواقف صعبة تنتصر فيها رقة المشاعر على جبروت الظروف، وقد استغرق تصويره 8 أسابيع، منها 5 أسابيع في الإسكندرية والباقي ما بين مدينة 6 أكتوبر واستوديو مصر، وتم استغلال «النوّة» الشتوية الأخيرة التي حدثت بالإسكندرية في مشاهد الفيلم، وكانت من أهم المشاهد التي حرص المخرج على أن يكون تصويرها طبيعيا في مناطق الكورنيش والمنشية والفنار والمنتزه، وفي القاهرة تم تصوير مشاهد في مناطق مثل: حي القلعة وأكتوبر، وبعض المواقع الخارجية في شوارع القاهرة القديمة.

سنوات الانتظار

سنوات طويلة قضاها داوود عبد السيد ينظر إلى أوراق الفيلم بعد رحيل العملاق أحمد زكي الذي وافق على تقديمه، لكن ظروف مرضه ووفاته حالت دون ذلك، وبرحيل زكي أصبحت مهمة البحث عن بديل أصعب من كتابة الفيلم نفسه، الذي تأجل لسنوات ظل داوود ينتظر ويبحث فيها عن بطل جديد، بعد أن رفضت إسعاد يونس صاحبة الشركة العربية منتجة الفيلم التدخل نهائيا وتركت له جميع الصلاحيات لثقتها في قدراته كواحد من أكبر السينمائيين على الساحة الآن، وشهد الفيلم كذلك خلال تلك الفترة دعم إنتاجي من وزارة الثقافة المصرية ومهرجان دبي السينمائي الدولي، الذي كرم داوود عبد السيد عام 2004 تقديرا لإسهاماته البارزة في مجال السينما ولمجمل أفلامه ـ لما تحمله من تفرد في طرح أفكارها للواقع ومشاكله برؤى فكرية عالية القيمة.

هوامش الفيلم

رشح عدد كبير من النجوم والنجمات لبطولة «رسائل البحر» منهم كريم عبد العزيز وهاني سلامة واحمد عز ومصطفى شعبان إلا أنهم اعتذروا، وظلت الشائعات تطارد هيفاء وهبي وروبي، إلى أن أعلن داوود عبد السيد في العديد من الصحف أن ترشيح هيفاء لبطولة الفيلم جاء بناء على ترشيح من الشركة المنتجة للعمل «جود نيوز» قبل أن ينتقل إنتاج الفيلم للشركة العربية، أما روبي فقد حدث خلط كبير بشأن ترشيحها لفيلم «رسائل حب» وهو يختلف جملة وتفصيلا عن «رسائل البحر».

وأكد الممثل الشاب آسر ياسين أن مشاركته في بطولة هذا الفيلم محطة وتجربة مهمة ومفيدة في مشواره السينمائي، مشيراً إلى أن العمل يتناول المشاعر التي نفتقدها بأسلوب المبدع داوود عبد السيد الذي يضع الفنان في قالبه الصحيح مشيراً إلى صعوبة الدور ومتمنياً إعجاب الجمهور به.

حدث مبهج

ويبقى القول إن فيلم «رسائل البحر» قام ببطولته إلى جانب آسر ياسين وبسمة، مي كساب وحسن حسني ومحمد لطفي وهو من تأليف وإخراج داوود عبد السيد الذي لا يختلف أحد على حجمه وقيمة، ولهذا فإن عودته إلى الشاشة الكبيرة من الأحداث المبهجة ونحن في مطلع 2010 وحدث فني لابد من انتظاره مهما كانت النتائج بعيدا عن حسابات السوق فالرجل ظل أعواما طويلة يقف وراء عمله.

وتعطيله كل هذه السنوات هو في حد ذاته إدانة لكل المنتجين ويكشف أننا في عصر سينمائي الأصل فيه العشوائية لان المنتجين جميعا هم المسؤولون عن إبعاد كل الحقيقيين والمبدعين، ويأتي «رسائل البحر» انتصارا لفيلسوف، يؤمن أن الفن لابد أن يكون قبل الخبز أحيانا، ومن حق السينما المصرية والعربية أن تحتضنه وتفتخر به.

أسامة عسل