قال الشيخ: مازلنا في صدد الحديث عن صفات القلب السليم وشروطه ولوازمه وفيه راحة الدنيا والفوز بالآخرة كما أنبأ الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وكنا قد أجملنا في حديثنا السابق صفات هذا القلب السليم من الآفات والعلل التي تبطل المقاصد والعمل، وهانحن نقف عند كل واحدة من هذه الصفات نعرضها لنتعلم منها ـ وأنا أولكم ـ كيف يبنى القلب السليم وكيف ترسى دعائمه حيث لا ينفع يوم القيامة من دونه مال أو بنون.

فأول هذه الصفات التوحيد، والذي يتبادر إلى الأذهان مباشرة من كلمة التوحيد كلمة {لا اله إلا الله} وهذا صحيح ولكن للأمر وجوه لابد من الوقوف عندها.

أولا: ان التوحيد ليس مجرد مسألة فكرية تقام عليها الحجج وتطرح من أجلها الأدلة ـ وفي هذا خير كثير ـ ولكنه يقين لابد أن يستقر في القلب فيفيض سكونا وطمأنينة وأمنا ومحبة وشوقا على النفس واستقامة وطهارة وتسديدا وترشيدا وتوفيقا على السلوك والجوارح.

سئل الجنيد عن التوحيد فقال: اليقين، فقيل بين لنا ما هو قال: هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل الله عز وجل لا شريك له فإن فعلت ذلك فقد وحدته.

ذلك أنه لا معطي ولا مانع إلا هو، ولا مذل ولا معز ألا هو، ولا خافض ولا رافع إلا هو، وان كان هذا يظهر على أيدي الخلق فانه في الأصل من فعل الحق.

وسئل الواسطي عن التوحيد فقال: من الله والى الله وبالله ولله، من الله ابتداء وإن شاء، إلى الله مرجعا وانتهاء، وبالله بقاء وفناء، ولله ملكا وخلقا. فمن الله كان الخلق والإنشاء، والى الله المرجع والانتهاء، وبالله البقاء بعد استشعار فناء الذات، حيث لا حول لهذه الأخيرة ولا قوة إلا بالله، وحيث القيوم وراء كل نبضة قلب وحركة نفس وفكرة عارضة وخيال جانح وحركة وسكون، فهو سبحانه الأصل في الإمداد الآني لحظة لحظة بعد الإيجاد، ولله الملك حيث لا مالك إلا هو وما نحن إلا عبيد وإماء تفضل علينا الحق سبحانه بأن يرقينا إلى درجة (يا عبادي).

وقيل (بالله ولله): أي لا توفيق إلى الطاعة ولا قدرة عليها إلا بالله ولا غاية ولا قصد وراء أي حركة أو سكون إلا الله. ومن المعلوم مخالفته سبحانه وتعالى للحوادث والأوهام لقوله تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }.

ويلزم عن التوحيد حقائق تطرب لها القلوب. قال أبو القاسم النصر أباذي: الجنة باقية بإبقائه.

وذكره لك ومحبته لك باقيان ببقائه، فشتان بين ما هو باق ببقائه، وبين ما هو باق بإبقائه.

قال الجنيد: أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد، وقد ذكرَني هذا بتعليق سيدة كريمة كانت تحضر بعض دروس التوحيد في أحد المساجد فقالت، من أنسها بما تسمع:حبذا لو كان في الجنة دروس في التوحيد.

وقال الحسين بن منصور: من عرف الحقيقة في التوحيد سقط عنه (لم، وكيف). أي لم يشغل نفسه بالأسباب والكيفيات لأنه ناظر إلى مسبب الأسباب ومقدر ما يشاء.

وقيل: خلق الله القلوب وجعلها معادن المعرفة وخلق الأسرار وراءها وجعلها محلاً للتوحيد، فكل نفس حصل من غير دلالة المعرفة وإشارة التوحيد فهو ميت وصاحبه مسؤول عنه.

ومما لاشك فيه أن هذه رتبة مقدور عليها لمن أخذ بأسبابها وتدرج في مراقيها، أعاننا الله وإياكم على بلوغها.

قيل دخل رجل على سهل بن عبدالله فقال له: إن اللص دخل داري وأخذ متاعي فقال له: أشكر الله تعالى، لو دخل اللص قلبك ـ واللص هنا الشيطان ـ وأفسد التوحيد ماذا كنت تصنع والحمد لله على نعمة التوحيد.

ماهر سقا أميني