تحدث عبد المعز بصوته الواثق والمعتز بقيمه وثقافته، ناقلا تجربته التي وصفها بأشرف عمل له. يقول كنت في العشرينات من عمري، وذلك في ثمانينات القرن الماضي، حين التحقت بإحدى الجامعات في سويسرا لدراسة القانون.
بالنسبة لسني، لم تكن قد تراكمت لدي الخبرة الكافية في الحياة كما لم تتشكل مداركي المعرفية والثقافية التي تؤهلني للمداخلات العميقة والمناظرات إن صح التعبير.
خاصة والأنظمة التعليمية في هذه المناطق منفتحة في مجال البحث والتفكير بلا حدود، بينما لا أزال في بداية مرحلة الاغتراف مما يرد أمامي من معارف وثقافات، بمعنى كنت على عتبة مرحلة التجريب، ولكن التجريب المتعقل.
خاصة أنني وحيد في بلد غربي، منفتح جدا، وأنا شاب متحفظ قادم من مجتمع شرقي محافظ.
انخرطت في الجو العام للجامعة التي تضم طلابا من بلدان مختلفة، فوجدت نفسي بين مجموعة من الثقافات والأفكار والعقائد المتنوعة، إضافة إلى ما يحمله الأساتذة من انتماءات وتوجهات مختلفة.
في إحدى محاضرات الفلسفة أخذ الأستاذ يطرح الأسئلة الوجودية ويتعمق، مركزا على إشراك جميع الطلاب للتفاعل مع الموضوع. كان يطرح السؤال تلو السؤال حتى تمادى فسأل عن حقيقية وجود الله، وهو الطرح الذي صدمني بشدة، بينما أخذه باقي الطلبة كأمر مسلم به وانه عادي جدا.
خاصة حين أثنى على صحة إجابات الطلبة التي اتفقت على نفي وجود الله، وهنا نهضت لانقض ادعاءه وأثبت وجود الله. فأخذت بسرد ما تيسر لي من حجج، لكنها للأسف لم تسعفني في دحض افتراءات ذلك الملحد، الذي كان يصر على إثبات حججي بالدليل الملموس، مرددا قد اتفق معك إذا أريتني الله، فأنا لا أؤمن إلا بما أراه وأنا لم و لا أرى الله، فهل رايته أنت أجبته بالنفي.. لا!
قال إذن هو غير موجود. طال السجال، وانتهى وقت المحاضرة، ولم أنجح في إقناعه بوجود الله. لفني حزن عميق. وشعرت باليأس، وبنقمة على نفسي وعلى الأستاذ الذي خرج إلى المقهى الملحق بالكلية حتى موعد المحاضرة المقبلة.
طلب كوبا من الشاي وشاهدته وهو يضع قرصين صغيرين من السكرين، ثم يحركهما بالملعقة، وكأن إلهاما إلهيا وضع الحجة في ذهني، فاقتربت منه واستأذنت لمشاركته الطاولة لاستكمل النقاش، سمح بجلوسي فقلت: كم قرص سكر وضعت؟
قال اثنان، قلت له أرني إياهما، قال لا يمكن، قلت بل عليك أن تريني إياهما حتى أصدقك، قال لا يمكن، قلت لكني لا أصدق وجود السكر إلا إذا رأيته، امتعض وقال لا يمكن أن أريك إياهما لكنهما موجودان وعليك أن تصدق، وأمام إلحاحي قال بنزق وبثقة وهو يشير بسبابته إليّ والى نفسه وإلى كوب الشاي: أنت تعلم وأنا أعلم أن السكر موجود، لكن لا يمكنني أن أخرجه لتراه.
قلت له وبنبرة المنتصر مستخدما طريقته نفسها وبإصبع السبابة أشرت إلى نفسي و إليه وإلى السماء قائلا: وأنا أعلم وأنت تعلم أن الله موجود. نظر إلي وقد صمت واتسعت عيناه، ثم نهض متجها إلى قاعة الدرس، وبمجرد أن انتظم الطلاب في مقاعدهم قال: أيها الطلبة إن الله موجود.. إن الله موجود.
ف . هـ
