ليس الكائن البشري وحده القادر على التعبير عن مكنوناته وانفعالاته النفسية وحالاته الوجدانية، وليس الوحيد بين المخلوقات من يحمل مشاعر وانطباعات تتفاعل مع موجودات الطبيعة ومكوناتها، يقتنص من معطياتها المختلفة، وليس الوحيد المخول بالاستئثار بها، وتشترك معه فيها أكثر مخلوقات الله الحية.
فهل هناك من يعجب من انفعالات المخلوقات الأخرى، ومن احتياجاتها ورغباتها؟ وهل هناك من يكذب تمتعها بما يتمتع به الإنسان؟ وهل من ينكر رغبتها وسعيها للحصول على حقها مما يشبع خصائصها المعنوية، كما يفعل الكائن البشري؟
في دواخل مخلوقات الله كلها تعتمل جملة من الرغبات الفطرية المتشابهة والمتقاربة مع ما يعتمل في دواخل الكائن البشري، وجميع المخلوقات تسعى لإشباعها بما يسد حاجتها فقط وليس لأكثر، إلا هو.. الإنسان الذي لا حد لأحلامه ورغباته واحتياجاته.
وتبقى مكونات الطبيعة عناصر إشباع متاحة، ومواد إمتاع خلاقة كزاد ابدي لا يتوقف معينه ولا ينضب منبعه، تتزود منها جميع المخلوقات.
هاهو سرب من الطيور البديعة، تحلق في احتفالية آمنة بمظهر منتظم فطري، وعلى ارتفاع منخفض، كائنات مأخوذة بنشوة الاستمتاع لحرية الطيران قريبة من سطح الماء الصافي، وقد بدا كمرآة تعكس حركتها فتنظر لحسن هيئتها.
هي مخلوقات الله التي أبدعها وأوجدها لتسر الناظرين، فتشحذهم بعزم الثبات وروح الحمد والثناء للخالق المبدع. ويبقى للإنسان..
من مخلوقات الله وفيها.. دروس له وعبر.. في الفطرة والرضا وإدراك الغاية، والغايات تلك التي يختلف الكائن البشري فيها بامتياز ليس له حدود عن باقي المخلوقات.
فاطمة الهديدي
