لكوني أعتز بوجود من هم في حياتي، أقول لهم إن الصداقة ليست لقاء جسديا دائما، بل هي تواصل فكري وروحي، والتقاء القلوب ببعضها. والصديق كما نعلم هو من صَدقَك وليس من صدّقك، فكم من صديق تفصله عنك آلاف الكيلومترات، وكم من قريب منك ومن نفسك، وقد يُعيي غيابه عينيك.
حيث إنك تصبح وتمسي وأنت وجهك بوجهه، ومع ذلك فهو ليس بصديق بالمعنى الحقيقي للصداقة! وكم من صديق تنشأ بينك وبينه علاقة مخلصة بينما لا يكون من جنس خلقك، بل انه لا يكون من المخلوقات الناطقة، ومع ذلك فانك تجد منه أوضح دلائل الود والإخلاص والإيثار.
وتكتمل اللوحة الجمالية في الحياة وتزيد بهجتها حين يكون صديقك الإنساني هو أخوك، ابن أمك وأبيك..
أدعو الله ألا يفرق الإخوان ولا يشتت شمل الأصدقاء. آمين.
وقد اطلعت على قصة أعز أصدقاء جنكيز خان، ووجدت أنه الصقر الذي يلازم ذراعه، فيخرج به ويطلقه على فريسته ليقدم له منها ما يكفيه. صقر جنكيز خان كان مثالاً للصديق الصادق، حتى وإن كان صامتاً.. تذكر الحكاية أنه حين خرج جنكيز خان يوماً في الخلاء لوحده ولم يكن معه إلا صديقه الصقر..
انقطع بهما المسير وعطشا، أراد جنكيز أن يشرب الماء فبحث في أرجاء المكان وقد استبد به الظمأ فوجد ينبوعاً في أسفل جبل، أسرع وملأ كوبه وحينما هم جنكيز خان بشرب الماء أقبل الصقر مسرعا وانقض على الكوب ليسكبه! حاول جنكيز ملء الكوب مرة أخرى، ولكن الصقر ومع اقتراب الكوب من فم جنكيز خان كان يقترب ويضرب الكوب بجناحه فيطير الكوب وينسكب الماء!
تكررت الحالة للمرة الثالثة، فاستشاط جنكيز غضباً من صقره وأخرج سيفه، وحينما اقترب الصقر في المرة الرابعة ليلقي بالكوب ويسكب الماء ضربه جنكيز ضربة واحدة فقطع رأسه ووقع الصقر صريعاً.
شعر جنكيز بالألم لحظة وقوع السيف برأس صاحبه، وتمزق قلبه لما رأى الصقر واقعا يسيل دمه. وقف جنكيز ساكنا للحظة، ثم صعد أعلى الينبوع، ومن هناك رأى بركة كبيرة يخرج من بين ثنايا صخرها منبع الينبوع، لكنه شاهد في تلك البركة حيةٌ ضخمة ميتة وقد امتلأت البركة بالسم!
عندها أدرك جنكيز خان كيف أن صاحبه كان يريد منفعته، لكنه لم يدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان وبعد أن سبق السيف العذل.
فكم حزن جنكيز على فعلته وكم حاسب نفسه، ثم أخذ صاحبه ولفه في خرقه، وعاد لحرسه وسلطته، وفي يده الصاحب المخلص الأمين بعد أن فارق الدنيا. أمر جنكيز حرسه بصنع صقر من ذهب، تمثالاً لصديقه، واشترط أن ينقش على أحد جناحيه: صديقُك يبقى صديقَك ولو فعل ما لا يعجبك». وعلى الجناح الآخر: «كل فعل سببه الغضب عاقبته الإخفاق».
موزة محمد
