أمام عيون الآباء يترعرع الصغار، تلاحقهم التوجيهات والاهتمامات، بينما تجري الأيام تشدهم معها فيشب الأولاد.. يصبحون آباء ثم لاتلبث الأيام المسرعة أن تسجل اعتزازهم بمن أعز من الأبناء، فيصيروا أجدادا. تكبر مشاعر الغبطة وتتسع مساحات الابتسام والبهجة في استرخاء يحفل بلقاء الأجيال. تمر السنون ويمتد العمر وتتوالى الأجيال، ويمد الله في أعمار أولئك الأجداد.. الكبار بصبرهم وعطائهم وزهدهم.
يكبرون فتصغر البيوت في عيونهم، وتضيق المساحات، فيحنون إلى البراحات الحميمة ضمن الساحات المفتوحة على السماء والنسيم، يفترشون الأرض بعيدا عن خصائص المدن، ومكونات العصر.
تحملهم يد الرعاية على سواعد الأبناء، بينما يتزودون بالذكريات، فذكريات الأمس هي وجبات اليوم الدسمة لتقضية النهار وملء الوقت، حيث يتفيئون ظلال الغاف، يتفقدون غنائم الغيث فيجسون بأبصارهم حشائش البر بعدما ارتوت وانتعشت وعادت إليها نضارتها فانبسطت على الرمال مكتنزة بالاخضرار.
هكذا هم يهربون من البيوت المغلقة والعناية الآلية، ومحاصرة الجدران المصقولة إلى أحضان الفضاء الخارجي المتسعة طلبا لأجواء الأمس ورفقاء الزمن العتيق، في جلسة على بساط من الرمل الحميم، جلسة بين ظلال الغاف هي أكثر ما يحتاجه ليستمتع به هؤلاء الرجال اليوم.
فاطمة الهديدي
