كلما تذكرت الأيام القاسية التي مررت بها منذ سنوات، أجدني ساجدا لله وشاكرا له نعمته التي أنعم بها علي وهي قوة الإيمان والصبر في مواجهة المحن، وكرمه سبحانه وتعالى بأن منّ علي بقوة التحمل وعدم الانصياع لوسوسة شياطين الإنس والجن. فقد كنت أعمل في إحدى الجهات براتب بالكاد كان يسير أمور حياتي وإعالة أسرتي التي كانت تنتظر نهاية الشهر بفارغ الصبر، وقد كنت ما زلت متمسكا بأن الأرزاق يحددها ويوزعها الله على عباده بحكمته وحده جل وعلا، لم أنظر يوما لما في يد غيري، ولم أشكُ ضعف راتبي لأحد أبدا

كما أنني لم أحاول التسلق أو مجاملة الرؤساء حتى أنال علاوة أو ترقية كما كان يفعل البعض من حولي، فقد فاقني الزملاء في الراتب لأنهم اتبعوا الأساليب الملتوية فكان لهم ما أرادوا، كنت مؤمنا بقدراتي الكبيرة التي تفوق ما هو مطلوب مني في العمل، وكنت أرى أن من حقي الحصول على الترقية من دون مداهنة أو مجاملة لأحد من المسؤولين، إضافة إلى تربيتي وثقتي في الله بأنه لا يضيع أجر من أحسن عملا. وعلى هذا المنوال سارت الأمور إلى أن تم الاستغناء عن خدماتي في الوقت الذي بقي فيه من شملتهم الترقيات على رأس عملهم.

نعم حزنت.. لكنني لم أقف مكتوف اليدين، وعملت في مهن لا تتناسب مع مؤهلاتي ولا مع قدراتي حتى لا أمد يدي لأحد، لكن مجمل ما أتقاضاه لا يفي بالتزاماتي الشخصية والأسرية. فاقترح علي أحد الأشخاص أن أساعده في عمل مشبوه مقابل مبلغ كبير من المال بصفة يومية، لكنني رفضت رغم إلحاحه المتكرر بدعوى أنه مشفق علي، وفي الوقت نفسه كان ينفق النقود أمامي ببذخ حتى يجعلني ألين، لكنه لم يفعل شيئا حقيقيا ليحل مسألة نومي في الحدائق، أو مساعدتي في سد رمق جوعي إلا في الأوقات التي يأخذني إلى مطعم فاخر لنأكل وهو يعاود الضغط لكي أعمل معه.

هكذا مرت الأيام ثقيلة، أصلي وأدعو الله أن يزيدني صبرا ومقاومة لوساوس الشيطان وضغوط صاحبي المتكررة، كنت ماضيا في عملي كسائق في إحدى الشركات براتب قليل جدا، لكنني في الوقت ذاته أبحث عن عمل آخر يتناسب مع مؤهلاتي وقدراتي، وكان صاحبي ماضيا في عمله المشبوه متباهيا أمامي بما يملك من سيارة من أحدث طراز وبيت كبير وجميل وملابس فاخرة، والأكثر من ذلك مباهاته بأنه أنفق كذا وكذا في سهرته بالأمس.

لكن الأيام دول، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح، ففي الوقت الذي سقط فيه صاحبي في أيدي رجال الشرطة متلبسا بجرمه، ومن ثم حكم عليه بالسجن، وجدت أنا ضالتي في فرصة العمل التي أنتظرها وفي المهنة التي أحبها، ليس هذا وحسب، ولكن براتب لم أكن أتوقعه بالمرة، وبمهنة لها مكانتها الرفيعة في أوساط المجتمع.

وبقدر سعادتي بما وصلت إليه، إلا أنني ما زلت حتى الآن أجلس وأتذكر وأتفكر في تلك الأيام، وأسجد لله شاكرا ومسبحا، فهو خالق العباد ومقدر الأرزاق، وسيسألنا عن مالنا من أين وفي أي شيء كنا ننفقه.

حسن. أ. م