لا ينكر أحد جمالية الزهور، وروعة النظر إليها وتأملها، فألوانها وشذاها يعكسان رونقا خاصا وشعورا ساحرا بالراحة والهدوء، وذلك ما دعا المواطن جمعة البديوي إلى تحويل واجهة منزله لحديقة غناء تبهر الناظر وتجذب المارة، فلا تتوقف الكاميرات عن التقاط الصور ولا تغلق الحديقة أبوابها للزوار، بل الكل مدعو للتأمل والنظر في جمال خلق الله طالما الأزهار مزدانة على امتداد واجهة منزل «أبو فيصل» بمنطقة الصفا في دبي.

«البيان» زارت منزل أبو فيصل الذي استقبلنا بحفاوة كبيرة، وأخذنا في جولة بين أرجاء منزله وحديقته الداخلية التي لا تقل جمالاً عن الخارجية، وعلى أنغام عربية وبنكهة مصرية أصيلة، تمايلت الأزهار وانتعشت، حيث يحرص «أبو فيصل» على تهيئة جو خاص لها، موفرا لها كافة أساليب العناية والرعاية الفائقة، وقال:« الأزهار أحلى المخلوقات ولا شيء أبهى من الطبيعة التي خلقها الله تعالى، ولكثرة حبي للزراعة آثرت تحويل منزلي لواحة تضيف علي وعلى أسرتي جواً من الراحة والطمأنينة بعيدا عن صخب الحياة اليومية وأحداثها المتداخلة، ولم أكتف بزراعتها فقط بل إنني أعطيها جل وقتي في الاهتمام بها وتربيتها، وهي بالنسبة لي كالطفل الصغير إذا أحسنت تربيته في الصغر، فإن معالم التنشئة الحسنة ستعطي نتائج ايجابية مستقبلا، ولا بد من تحمل التعب والصبر، فهما عاملان أساسيان في التأسيس والتنشئة، وهذا ما أحرص على القيام به بشكل يومي».

الحديقة الداخلية... وللحديقة الداخلية بمنزل «أبو فيصل» سحر خاص، فهي مقسمة حسب الزوايا، فهناك زاوية تضم أشجار الموز التي تقف شامخة على امتداد الطريق المؤدي إلى واحة المنزل، تفصلها عتبات معدودة عن حوض السباحة المستوحى من احد الكهوف بأسبانيا، حيث استعان البديوي بشركة استطاعت تحويل الحديقة الداخلية إلى لوحة فنية بلمسات طبيعية وتتكون من حوض سباحة غير مألوف يعلوه سقف كهف يعطي منظرا خلابا وجوا طبيعيا.

ولم يركز على إقامة مظلة تقليدية تغطي حوض السباحة، بل ارتأى تظليله بسقف مستوحى من المغارات خروجاً عن المألوف، وهناك مصب مياه ناتج عن الشلال الذي يغذي جانباً من الحوض، وتم تصميم المصب على هيئة «الشريعة» باللغة المحلية وهي المجرى الطبيعي للمياه الذي ينزل من الشلال ويمر بين الصخور الجبلية، والجانب الآخر يصب مباشرة في حوض السباحة بعد توغله داخل أروقة الصخور، ما يعزز القيمة الجمالية للحديقة، كما تم تزيين جدران الكهف بلوحات فنية وأوانٍ طينية تعكس مدى التجانس الإبداعي للزمن القديم.

وشرح أبو فيصل آلية عمل حوض السباحة تماشيا مع فكرة مياه الكهوف والتكوينات الجيولوجية لها، والذي استغرق إنشاؤه ما يقارب السنة و3 أشهر بتكلفة بلغت 500 ألف درهم، وروعي في التصميم بناء مقاعد وطاولات طينية لها طابع أثري تأثرا بالتكوينات الطبيعية التي تخلفها العوامل الطبيعية، وتقنيات حديثة عبارة عن مؤثرات صوتية تم دمجها مع جمالية الكهف لتوحي بترديدات الصدى داخل الكهوف الطبيعية.

حيث تحتوي المغارة على 15 سماعة موزعة في إرجائها تم التركيز على توزيعها لحظة بناء الكهف لتعطي صوتا من كل الجوانب، جنبا إلى جنب مع وجود التلفاز حتى تتسنى للجميع مشاهدة المباريات والبرامج متى يشاءون، بالإضافة إلى نظام تدفئة مياه حوض السباحة.

إحساس متبادل

وقال:« لعل البعض يتعجب من حجم الأزهار الموجودة في منزلي ووقتي الذي اقضيه معها لرعايتها والاهتمام بها، فأنا متفرغ لها بعد تقاعدي كما أن لدي أعمالي الخاصة، وبالرغم من ذلك أرى بأنه لا شي يضاهى أمام سعادتي في التجول بينها، أتحسسها وأتلمس أوراقها وتربتها، فتبادلني إحساسا غريبا لا يشعر به إلا من جرب حلاوة الممارسات الخاصة بالزراعة.

فالأزهار تتأقلم مع صاحبها والجو الذي يهيئه لها، ومن خلال مروري الدائم عليها وتأملها، أعرف ماذا تحتاج وأفهم من ملامحها الإحساس الذي تشعر به، فأبادر بسقيها حتى ترتوي، وأشجعها على التجاوب معي من خلال استخدام الترانيم والموسيقى التي أعشقها، ولدي مكتبة موسيقية تضم أجمل الأغاني القديمة والتي يصعب الحصول عليها في زمننا.

واليوم أجد أزهاري اعتادت على صوت أم كلثوم وأغانيها العريقة مثل أمل حياتي وسهران لوحدي وأغداً ألقاك وأروح لمين واراك عصي الدمع والقلب بعشق كل جميل، إضافة إلى أغاني عبد الحليم حافظ ومحمد عبدالوهاب، الأمر الذي يلقى رواجا من قبل الأجانب الذين تجذبهم الأصوات العريقة فيطرقون الباب للسؤال عنها.

أنواع الزهور

تضم حديقة أبو فيصل 3 آلاف نبته من صنف زهور البتونيا، ويحرص على تغيير الأزهار حسب المواسم وتبقى الأزهار على حد قوله لمدة 5 أشهر، يتوجه بعدها إلى المشتل لشراء النباتات الموسمية على اعتبار أن كل شيء في موسمه جميل، ليبدأ مشوار الاهتمام والرعاية بها من جديد.

وأشار إلى انه بالرغم من التكاليف التي يدفعها ثمنا لهوايته الجميلة والتي تتراوح ما بين 12 إلى 13 ألف درهم كل 5 شهور، وذلك مع التربة والفيتامينات الخاصة بالنباتات، فإنه مبلغ مجزٍ نظرا لجمالية الأزهار التي يتمتع بها يوميا طوال موسمها.

المارة والتقاط الصور

وأخبرنا أبو فيصل عن المارة والزوار الدائمين الذين يحلو لهم التقاط الصور أمام منزله، لافتا إلى انه دائما ما ينصح الجميع سواء المارة أو الأشخاص الفضوليين الذين يأتون من مناطق وإمارات بعيدة لالتقاط الصور بين الزهور دون استئذان، بالحفاظ عليها وعلى مقتنياته الخاصة، وغالبا ما يبادلونه باللامبالاة، ويبدو أن تركيزهم على حجم الزهور الممتدة حول منزله وسحرها وبهجتها ينسيهم بأنها نتاج جهود خاصة وليست ملكاً للعامة كما يظنها البعض، قائلا إنها من ابرز المشاكل التي تواجهني بصورة دائمة.

نصائح

وفي ختام زيارتنا لمنزله، شجع «أبو فيصل» الجميع على بناء القدرات والإقدام على تجربة الزراعة، آملا أن يتم رفع مستوى الوعي الزراعي لأهميته في الحصول على بيئة سليمة ونافعة ومستدامة، قائلا انه لو بادر كل شخص في دبي بالزراعة لأصبحت دبي مثل سويسرا، وباستطاعتنا التغلب على حرارة الجو والرطوبة والتربة من خلال العزم والتصميم.

وذكر بأن درجة الحرارة في الصيف تنخفض 3 درجات عن حرارة البيئة وذلك بفضل بيته المحاط بالحديقة الغناء وامتدادا لحديقة الصفا المتاخمة لمنزله، مؤكدا بأنه لو اجتمعت المساحات الخضراء مع بعضها البعض لاستطعنا القضاء على حرارة الجو، فالأشجار تعطي ظلا عند امتداد أفرعها وتستقطب الطيور، ما يضفي جوا من الراحة ينعكس على نفسية الأشخاص، وغالبا ما يفترش سريرا في حديقته ويغط في نوم عميق مستظلا بظل أشجار الليمون ومتنعما بعبق الأزهار المحيطة به، الأمر الذي يراه «أبو فيصل» يفوق بعشرات المرات النوم مع تشغيل التكييف.

هوايات

تأمل الزهور ومتعة الصيد

يتوجه جمعة البديوي إلى خيمته العصرية الكائنة في حديقة منزله الخارجية لدى شعوره بالضيق والملل، يجلس فيها ويتأمل الزهور التي تحفه من كل جانب، ويربت على كلبته الوفية التي تلقت تدريبا خاصا لحماية حديقته من الأيادي العابثة.

كما يهوى «أبو فيصل» الصيد، فيذهب إلى البحر برفقة ابنه سعيد للصيد، حيث يقتني قاربين، ولا يمارس الصيد كتسلية، بل هي هواية ومتعة رياضية ويعشقها «أبو فيصل» باعتباره محبا للطبيعة، ويحرص على توزيع ما يصطاده على جيرانه.

ويتمتع جمعة البديوي بروح لطيفة كروح الزهر، وهو معروف بأصالة أسلوبه ودماثة خلقه، وذلك ما ينعكس على الأزهار والنباتات الموجودة في بيته، فهي يانعة وتفيض حياة وإشراقا، ولا تموت الأزهار عنده إلا بانتهاء موسمها، فهو كثيرا ما يحفل ويهتم بها، فباتت تفيض رقة وبهاء، وأصبحت ملاذا آمنا للطيور.

دبي - نادية إبراهيم