القابض الباسط اسمان متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر في الذكر، فإذا ذكر أحدهما تبادر إلى الذهن معنى الآخر بالضرورة، وكذلك الضار والنافع، والمعطي والمانع، والمعز والمذل، فهو جل شأنه يقبض ويبسط ويضر وينفع ويعطي ويمنع، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهو الفعال لما يريد، قهر الجبابرة بجبروته، ونصر المتواضعين لعظمته بقوة بأسه، وقبض المتكبرين بعظمة سلطانه، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فأذلهم ذل الأبد، وبسط للمتواضعين بساط الرحمة فوسعهم فضله.

وغمرهم جوده وكرمه، واطمأنت قلوبهم بذكره، فعاشوا أعزاء في كنف عزه، محاطين بعنايته، معصومين بحبل مودته، لا ينالهم من عدوهم ما تنقبض به قلوبهم، ولا يجدون في صدورهم ما يجده غيرهم من حزن على ما مضى ولا هم لما هو آت، فقد علمهم الله كلمة التوحيد وألزمتهم إياها، وجمع لهم بها شملهم، وجعل غناهم في قلوبهم فرضوا بما آتاهم من فضله حتى استوى عندهم القبض والبسط في الأرزاق، فحمدوه في السراء والضراء.

واعتبروا المحنة من لدنه منحة لبسوا ثوب النعم، وآمنوا على أنفسهم من غوائل المقام في الأنس بالله إلى اليقين الصادق بما جاء في قوله تعالى من سورة الحديد: ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ) فكانوا على النهج القويم الذي رسمه الله لهم في الآية التي بعدها وهي قوله تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور).

( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب).

«قل» ومعناها: اشهد بقلبك ولسانك أيها النبي أنت ومن معك من المؤمنين في ضراعة وخشوع بأن الملك كله لمبدعه ومدبره ليس لأحد فيه مثقال ذرة ولا اصغر منها، وأنه هو القابض والباسط، والمعز والمذل، ليس لأحد سواه الخيرة في شيء كما قال جل شأنه في سورة القصص : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون).

وهذه الآية تعلمنا كيف نخاطب الله عز وجل في دعائنا وكيف نتأدب معه في نسبة الأفعال إليه ومثلها في ذلك من الآيات كثير فأنظر إلى ما حكاه الله في نسبة الأفعال إليه، ومثلها في ذلك من الآيات كثير فأنظر إلى ما حكاه الله عن إبراهيم عليه السلام في سورة الشعراء فقال: ( الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) ولم يقل : وإذا أمرضني، تأدباً مع الله تعالى. وقوله تعالى في الآية السابقة : ( وترزق من تشاء بغير حساب) فتح لباب الرجاء والطمع في رحمته الواسعة، وطرد لشبح اليأس والقنوط، فإن الله عز وجل يرزق من شاء من عباده من غير أن يحسب كل منهم لهذا الرزق القادم إليه حساباً، فقد تأتي الأرزاق فجأة ومن غير عناء، إنعاماً أو استدراجاً، كما قال في آية أخرى: «ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب».

وبسط الرزق وقبضه مبنى على حكمته البالغة فلا مشيئة لأحد مع مشيئته وقد اقتضت حكمته أن يكون في هذه الحياة الدنيا أغنياء وفقراء ليخدم كل فريق الآخر ويتعاون معه في تعمير الأرض وإصلاحها.

والقبض والبسط كما يكون في الرزق يكون في العلم والذكاء والجسم وسائر الأمور التي تدخل تحت مفهوم الرزق بمعناه الواسع فكل ما يتعيش الإنسان به فهو رزق مقسوم.

رجاء علي