قال الشيخ : للقلب أحوال ذكرت في القرآن الكريم لابد من الوقوف عندها وفهم معانيها وتفصيلاتها، ونبتدئ اليوم بالقلب السليم الذي جعله الحق سبحانه وتعالى شرط النجاة يوم القيامة (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).

والسليم بهذه الصيغة يعني أن السلامة صارت صفة ثابتة ومستمرة فيه، ويعرفه ابن القيم رحمه الله بقوله: هو الذي سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله صلى الله عليه وسلم، وسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه، والتوكل عليه والإنابة إليه والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق، وهذه هي حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده، فالقلب السليم هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة وتوكلا «وإنابة وإخباتا»، و«خشية ورجاء» (إغاثة اللهفان ).

وقال الترمذي : حياة القلوب الإيمان وموتها الكفر وصحتها الطاعة ومرضها الإصرار على المعصية، ويقظتها الذكر ونومها الغفلة (طهارة القلوب لعبد العزيز الديري ).

وفي تفسير الألوسي : القلب السليم هو الخالي من العقائد الفاسدة، والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها، ويتبع ذلك الأعمال الصالحات اذ من علامة سلامة القلب تأثيرها على الجوارح، وقال سفيان: هو الذي ليس فيه غير الله عز وجل، وقال الجنيد: هو اللديغ من خشية الله تعالى، القلق المنزعج من مخافة القطيعة، وقد شاع إطلاق السليم في لسان العرب على اللديغ، وقيل هو الذي سلم من الشرك والمعاصي وسلم نفسه لحكم الله تعالى وسالم أولياءه وحارب أعداءه وأسلم حيث نظر فعرف واستسلم وانقاد لله تعالى وأذعن لعبادته سبحانه.

مما سبق يمكن حصر صفات القلب السليم في محاور رئيسية نأتي على التفصيل فيها بإذن الله فيما بعد. التوحيد وسلامة العقيدة من الشبهات أو البدع الفكرية واستقرار اليقين في القلب، سلامة القلب من الشهوات التي قبحها الشرع إلى حد انطباق الهوى مع ما جاء به الشرع الحكيم، تمام العبودية لله مما يقتضي كمال التحرر من عبودية غير الله، تحكيم القرآن الكريم وسنة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في كل الأمور الخاصة والعامة وعدم تحكيم غيرهما مما يخالفهما، محبة الله ورسوله وهي أصل محبة كل أنواع الكمال، الافتقار والخضوع والذل لله وحده مما يعني نفي الحول والقوة إلا بالله، الخوف والرجاء وهما جناحا القلب السليم الذي يؤمل فوزه في الدارين،التسليم والتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب وإعداد المستطاع،الذكر بوصفه وسيلة الحضور الدائم مع الله عز وجل ومراقبته، ظهور آثار سلامة القلب على الجوارح إذ لا يمكن للقلب أن يكون سليما» وتخوض الجوارح في ما يغضب الحق سبحانه وتعالى، العمل الصالح، إفراغ القلب من سوى الحق سبحانه وتعالى، الحب والبغض في الله وعدم التودد إلى من حاد الله ورسوله،رؤية الحق في كل شيء من حيث كونه الخالق البديع وفي كل فعل من حيث أنه الأول والآخر والظاهر والباطن والقادر والمقدر والهادي والرشيد.

ليس سهلا « الإحاطة بكل هذه المحاور في سطور قليلة ولعلي أضيف هنا سلامة القلب من بعض أدوائه كالكبر والعجب والحسد والرياء، وهي أمور سنأتي عليها بإذن الله، إلا أنه من الواضح أن سلامة القلب غاية تحتاج إلى كثير من المجاهدة والتربية والتزكية وسوس النفس وغلبتها، ومن واجب كل من يتحدث عن القلوب أن يدل إلى الطرق الموصلة إلى القلب السليم والأدوية الناجعة لما يمكن أن يطرأ عليه من أدواء وأمراض، وإلا فان مجرد تحديد الغايات دون بيان طرق الوصول إليها لا يزيد ولا ينقص شيئا».

واعلموا أننا نتحدث هنا عن ( فرض عين ) واجب على كل مسلم «علماً وفهماً وسلوكاً»، وإنني والله قد نويت التعلم معكم مما سنورده في هذه الأبواب فهي فرصة عظيمة لتخلية النفس من أوضارها بنية الوصول إلى الله بقلب سليم.

ماهر سقا أميني