تتجلى عظمة الله سبحانه في كثير من مخلوقاته، ولمن أراد أن يرى ذلك فعليه أن ينظر في السماوات والأرض وفي خلقه هو، فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:سوَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ سُلالة مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخر فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ». المؤمنون 12-14.
وللدكتور منصور أبو شريعة العبادي من جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية أبحاث ودراسات عن هذا الإعجاز الإلهي، وفي بحث له عن الشيفرة الوراثية يقول: لطالما تساءل علماء الأحياء عن السر الذي يجعل خلايا التكاثر والتي تكاد أن تكون متشابهة في الشكل وتحتوي على نفس المكونات أن تنتج ملايين الأنواع من الكائنات الحية بمختلف الأحجام والأشكال والألوان. فجميع أنواع الكائنات الحية يبدأ تصنيعها من خلية واحدة فقط، حيث تنقسم إلى خليتين ثم إلى أربع ثم إلى ثماني خلايا وهكذا إلى أن يتم إنتاج جميع الخلايا التي تلزم لبناء جسم الكائن والتي قد يصل عددها إلى آلاف البلايين، وبحيث تأخذ كل خلية من الخلايا الناتجة المكان المخصص لها في جسم هذا الكائن.
إن الإبداع الموجود في طريقة التصنيع هذه هو في أنها لا تحتاج إلى تدخل قوة خارجية لإتمام عملية التصنيع فالخلية الأولية التي تبدأ منها عملية تصنيع الكائن الحي قد تمت برمجتها بشكل كامل بحيث تقوم هذه الخلية وما ينتج عنها من خلايا من خلال الانقسام المتكرر بكامل خطوات التصنيع. وإن كل ما تحتاجه هذه الخلية لكي تننتج كائنا حيا بعد وضعها في وسط مناسب هو إمدادها بالغذاء اللازم لإنتاج بقية الخلايا.
لقد كان شك علماء الأحياء يدور حول الحامض النووي (خء) الموجود في نواة الخلية والذي تم اكتشافه في عام 1869م على يد الطبيب السويسري فريدرك ميشر فكانوا يظنون أنه هو المسؤول عن نقل الصفات الوراثية من جيل إلى جيل في الكائنات الحية. وفي عام 1953م تمكن عالما الأحياء فرانسيس كريك وجيمس واطسون باستخدام الأشعة السينية من كشف تركيب الحامض النووي ووجدوا أن كامل مواصفات أجسام الكائنات الحية مكتوبة بطريقة رقمية على شريط طويل ودقيق من الحامض النووي مخزن في نواة الخلية، وهو من الصغر بحيث لا يمكن رؤيته حتى بأقوى الميكروسكوبات الضوئية.
وبهذا الاكتشاف العظيم تمكن هذان العالمان من فك أعظم سر من أسرار الحياة وهو الكيفية التي يتم من خلالها توريث مواصفات أجسام الكائنات الحية إلى ما تنتجه من كائنات جديدة، وكذلك الطريقة التي يتم بها تصنيع كائنات جديدة ابتداء من خلية واحدة. وبعد أن بدأ علماء الأحياء بدراسة تركيب شريط الحامض النووي والطريقة التي يستخدمها في تخزين المعلومات الوراثية والآليات التي يستخدمها في تنفيذ البرامج المخزنة عليه وجدوا أن فيه من الأسرار بل من المعجزات ما تعجز أكبر العقول البشرية عن فكها.
سيد طنطاوي