وسط أكوام الأكياس الورقية والبلاستيكية .. التي اصطف بعض محتواها في الحقائب الجلدية بعناية وترتيب، والبعض الآخر معلقاً، بانتظار طريقه إلى الخزائن الجديدة، تختبئ علياء.. وبين يديها قصاصات أوراق تزدحم بقائمة طويلة من الأغراض، ما أتمت شراءه، وما فاض عن الميزانية المحددة.. حيث بدأ العد التنازلي لحفل الزفاف، ولابد من حزم الأمتعة.

تعيش علياء نهاية فصل «البنات»، وتتأهب لدخول حياة الحريم والأمهات، وبين الحياتين كان لا بد من توضيب الأغراض، وشراء ما يلزم احتفاءً بانتقال ملؤه البهجة وانتظار إتمام التجهيزات.. وطي صفحة كل ما هو قديم. الجديد ولا شيء غيره، الأقمشة الزاهية والثمينة، الروائح العبقة.. المجوهرات والإكسسوارات، الأحذية والحقائب، كل شيء.. من الألف إلى الياء لابد أن يكون «بالنمرة»، وإلا كان احتفاء لا يليق بالمناسبة..

في الثقافة المحلية يُعد تجهيز العروس بالذهب والعطور والملابس الجديدة طقساً أساسياً في رحلة الاحتفال بها، وكانت تلك الاستعدادات جزءاً من «الزهبة»، المودعة في «تنكة» معدنية تضم أغراض العروس وهداياها التي يتم نقلها في موكب الاحتفال من منزل أهل العروس إلى بيت الزوجية، الحناء وطقوسه، الأهازيج والرقصات الشعبية، الموائد التي تسبق يوم الاحتفال، تُعطي الحدث زخماً لا يغيب عنه الترقب المُتعب.

بالرغم من الفرح المسيطر على فصول الحكاية منذ لحظات الخطبة وحتى الزفاف، وما ينضوي تحته من بهجة الاستعداد والانشغال الممتع بالتفاصيل، وسرور يفرضه الاحتفال بأي مناسبة سعيدة، فإن نهاية الحكاية تخطف أثراً لا يراه سوى أهل بيت العروس.. حينها يذرف الوالد دمعة، تقتلع وردة ملأت حياته عبقاً، ولا تكف الأم عن زيارة غرفة البنات، للبحث عما يُطفئ قلق الأمهات، ويُعيد تلك الفتاة صغيرةً في حضن المنزل، تملأه شقاوة وفرح، ترقبها الأعين داخل أسواره المحصنة.. بينما هي ترحل لعالم أكثر اتساعاً.

تقول الجدات بأن البنت «غريبة» مهما طال أمد إقامتها في بيت الأسرة، فلا بد من عريس يقطف زهرة الشابات ويحظى بزينة البنات، فكان حرصهن دائماً على حُسن تربيتها والتأكد من إتقانها لأعمال المنزل وإدارتها لشؤونه بشكل يضمن حياةً موفقةً.. فكان الاستعداد شيء من الرهبة والبهجة، حيث لا تضيع «طاسة» المسؤولية في زحمة الأحلام الوردية التي تسيطر على البنات.

اليوم.. كل شيء جديد، ثمين وملون، الاستعدادات موغلة في الفخامة، والجميع منشغل بنسج تفاصيل الحدث، بينما العودة إلى بيت العائلة كانت أسرع من المُتوقع، فور الوصول من شهر العسل، خطوة إلى الباب الموارب.. عودة لحضن العائلة التي أبدت تجاوباً سريعاً «زاد الطين بلّه»، حيث السقوط أول رد فعل أمام رياح التغيير.. بينما وصايا الجدات تتطاير كأوراق الخريف في ربيع العمر.

الجدل حول أسباب الفشل.. المؤدي للانفصال المبكر يطول، ولكنه ضمن نطاق الإدراك، على الأقل بالنسبة للفتيات.. فالأحلام التي تنقل النواعم على بساط تُزينه الهدايا الثمينة والصور التذكارية، سرعان ما يصطدم بأرض صلبة يتطلب الوقوف عليها إحساساً بمسؤولية العائلة، وحس بالآخر واحتوائه لا يزرع بذوره سوى العائلة.

تلك الخيبة لا تليق بأن تكون خاتمة الاحتفاء الأسطوري، ولا يستحقها أهل بيت العروس، هم من تسابقوا في ترصيع كل غال وثمين يليق بها، لحفل هو عتبة بين حياتين، الأجدر أن يبقى ذكرى لا يخدشها طيش البنات.

أمل الفلاسي