الزواج المبكر كأي زواج له سلبياته كما له ايجابياته. ومن واقع تجربتي التي عشتها، أرى ان الزواج المبكر له ايجابيات أكثر من السلبيات.
فقد تزوج أبي بأمي وهو في العقد الرابع من العمر، بينما أمي لم يتجاوز عمرها الخامسة عشرة. عاشت والدتي مع والدي وهي لم تكن تفقه نظام الحياة الزوجية، ولا فنون إدارتها. قاد أبي مركب حياة جديدة اختارها مع أمي بعد تجربة زواج أول له.
وكان عمر زوجة والدي الأولى قريبا من عمر أبي، ولم تكن المشكلات هي السبب الذي دفع بأبي للبحث عن زوجة ثانية صغيرة تقاسمه الحياة الجديدة بكل عواقبها، فقد كانت زوجته الأولى راضية عن زواجه.
أنجبت أمي لأبي تسعة أبناء، ومن ذلك الواقع الجديد لها أخذت دروسها، واكتسبت تجارب جديدة لم تكن تعرفها من قبل.
وبعد اثنين وعشرين سنة أصيب أبي بجلطة في الدماغ أقعدته عن الحركة، فأمسكت أمي بدفة السفينة للقيادة، وأخذت دور الربان فكانت الأم والأب في وقت واحد، وظلت بجانب أبي، وتكشفت سمات في شخصية أمي لم يكن أحد يلاحظها من قبل، فقد شربت من سمات أبي الكثير حين عودها على الاعتماد على النفس، وشجعها على إغاثة المحتاج ونصرة الضعيف، فعزز فيها صفات كثيرة كان يتحلى بها والدي الغالي نفسه.
لقد كان أبي لأمي.. الزوج والأب والأخ والصديق والمعلم في وقت واحد. كنت أراه وهو لا يتحرك، وأرى أمي وهي التي تقف إلى جانب زوج وتؤدي كل أدواره بلا نقصان أو تقصير وكما كان يفعل تماما.
وأبي ينظر إليها نظرة الأب الحاني عليها كأنها إحدى بناته، حتى إخوتي من أبي لم يستطيعوا إلا أن ينظروا إليها نظرة احترام وتقدير، فهي التي لم تفارق أبي طيلة خمسة وثلاثين عاماً، شاركته كل مراحل حياته وساندته في صحته وسقمه، فلم يفارق أبي منزلنا قط، ولم تتدخل امرأته الأولى في حياتنا وظلت على البعد تنظر إلى أمي وهي ترعى أبي حتى آخر لحظة في حياته.
شهد كل الأطباء الذين تحلقوا حول أبي في ساعاته الأخيرة ومعهم أخي الأكبر بأن لسان أبي لم يكن يتوقف عن ترديد اسم أمي، وظل كذلك دخل بعدها في مرحلة حرجة، وبقيت أمي في تلك الليلة مكلومة تتحلى بأمل تعرف بأنه ضعيف لكنها تنتظر خبرا كمعجزة تسرها ولكن (الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن) وقد فارق أبي الحياة، ولم يتوقف لسان أمي عن الدعاء المتواصل لأبي في السر والجهر.
ولا يزال قلبها يقتضب كلما أعلن المؤذن بداية يوم جديد، وكلما بزغت شمس الصباح وأمي وحدها تنظر بحسرة إلى مكان أبي الخالي.
خدية عبدالله - الإمارات
