كان شابا يعيش في منزل والده، لا يعمل في أية وظيفة ولا يشارك حتى في الأعمال المنزلية، ورغم أنه تجاوز العشرين من العمر، إلا أن مساعدات والده كانت ولا تزال هي مصدر رزقه الوحيد، إذ أن تخلفه الدراسي منعه الحصول على أي مؤهل مناسب يضمن له وظيفة أو أي عمل، وكان الأب يجود على الابن تارة ويحرمه تارات أخرى بهدف دفعه إلى الاعتماد على النفس والبحث عن عمل يعول به نفسه، خاصة وأن مصروفاته كشاب أعزب تجاوزت الحد، وأصبحت تهدد مدخرات الأب.

ولأن الفراغ يدفع إلى الانحراف، فقد تحول الابن إلى ضيف دائم على الملاهي وأصبح يدين بالولاء لرفقاء السوء، وأدمن السهر خارج المنزل حتى ساعات الصباح الأولى، وأهمل رعاية والده المسن عن عمد، وفي كل مساء كان صوته يرتفع مطالبا بالمزيد من المال، متلفظاً بما يسيء للأب دون مراعاة لشيخوخته.

وساءت العلاقة بين الطرفين مع أطماع الابن المتزايدة، وسوء سلوكه، واتهامه لوالده بالبخل، وإصرار الأب على أن يجعل منه رجلاً، وفي سياق المفاجآت المتكررة في هذا البيت، طلب الابن أن يتزوج، وعلى الرغم من معارضة الأب للفكرة لأنه يعرف أن ابنه لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية نفسه، وبالتالي فلن يستطيع أن يتحمل مسؤولية زوجة، إلا أنه وجدها فرصة مواتية لوضع الابن على المحك، لعله يقلع عن السهر وسوء السلوك..

وكثير من الشباب تحول من الطيش إلى الاستقامة بعد الزواج، فوافق على إتمام الزواج وأيضاً لم يمانع في مشاركة الابن له البيت نفسه على أن يبادر بالبحث عن مورد رزق بعد إتمام الزواج، ليتمكن من الإنفاق على زوجته وأبنائه في المستقبل.

ولأن الطيور على أشكالها تقع، اختار الابن زوجة لا تقل عنه طمعاً وسوء خلق، كانت تتطلع لمشاركة الزوج في ثروة الأب بعد وفاته، ولأن الشاب يفكر بنفس الطريقة، فقد اجتمعت الأهداف واتحدت الأطماع، وأخذ الزوجان يتبادلان الآراء حول الحالة الصحية للأب، ليس بهدف الاطمئنان عليه ومساعدته، بل بهدف استعجال الميراث المنتظر.. وعندما أصابت الشيخوخة الأب ولازم فراش المرض، لم يعد لديهما حديث سوى مدخرات الأب التي سوف يرثها الابن بعد وفاته، وكيف يمكن استثمارها وإدارتها أفضل إدارة لكسب أكبر مبلغ بأقل مجهود.

وطال مرض الأب لسنوات، وعرف أهل الحي ما يعانيه العجوز من جحود الابن، فتطوع البعض منهم لخدمته محتسباً أجره عند الله تعالى، وعندما توجه أحد الجيران ذات مساء إلى منزل الأب للاطمئنان عليه، وجد زوجة الابن عند باب الدار تبكي وتنتحب، سألها في لهفة عما يبكيها، قالت بحسرة: لقد مات.. مات.

هرع الرجل إلى غرفة الشيخ العجوز للتحقق من وفاته والقيام بما يلزم، ولكن المرأة أشارت إلى غرفة زوجها لتؤكد أنه هو المتوفى وليس الوالد. ليتحول الابن من وارث إلى موروث، وخسر مال الأب والأهم أنه خسر رضاه.

أيمن حجازي