كشفت دراسة علمية أعدتها هيئة البيئة في أبوظبي حول التأثيرات المتوقعة لظاهرة التغير المناخي على الإمارات أن التوقعات تشير إلى إمكانية ارتفاع مستويات سطح البحر وزيادة درجات حرارة سطح البحر وحدوث تغيرات ديناميكية في حركة الأمواج بالنسبة للمناطق الساحلية الإماراتية التي تضم حوالي 85% من إجمالي السكان وأكثر من 90% من البنية التحتية للدولة والعديد من النظم البيئية الفرعية الحساسة . وأرجعت الدراسة ارتفاع سطح البحر في المقام الأول إلى التمدد الحراري للمحيطات واستمرار ذوبان الكتل الجليدية حيث قدرت الدراسات العالمية معدل ارتفاع مستوى سطح البحار في العالم بحلول العام 2100 بين 37 و 59 سنتيمتر وذلك بدون النظر إلى ذوبان الكتل الجليدية أما عند احتساب ذوبان الجليد فمن المتوقع ان يزيد مستوى سطح البحار الناجم عن التغير المناخي 10 أمتار او يزيد .

تأثيرات على البنية التحتية... وحذرت الدراسة من هذه التوقعات وتأثيرها على دولة الإمارات وعلى وجه الخصوص ارتفاع منسوب سطح البحر الذي سيؤثر على البنية التحتية الموجودة حاليا وعلى النظم البيئية الساحلية المهمة وعلى التنمية المخطط لها. وكشف ماجد المنصوري الأمين العام لهيئة البيئة في أبوظبي خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد أمس عن اعتزام الهيئة تركيب محطات في البحر لقياس مستوى ارتفاع سطح البحر بسبب ظاهرة التغير المناخي والتي يتوقع أن ينتهي تركيبها في نهاية 2012 إضافة إلى إجراء دراسة لتحديد كمية الانبعاثات كما اشترطت الهيئة بالتعاون مع البلدية أن تكون أرضيات المباني الساحلية بارتفاع 3 أمتار . وأوضح المنصوري أن الموارد الطبيعية والقطاعات الاقتصادية في دولة الإمارات ذات قابلية للتأثر بالتغيرات المناخية المستقبلية فبالرغم من أن دولة الإمارات ليس لها دور في إحداث ظاهرة التغير المناخي تاريخياً بالإضافة إلى ضآلة انبعاث غازات الدفيئة الصادرة منها في الوقت الحالي بالمقارنة مع الدول النامية الأخرى، إلا أنه من الممكن أن تكون الأخطار المترتبة على التغير المناخي كبيرة وعالية التأثير على الموارد والبنية التحتية في الدولة، حتى في حالات الاختلافات البسيطة في درجات الحرارة وكميات الأمطار على المدى الطويل.

وقال ان الدراسة تم إجراؤها بالتعاون مع معهد استكهولم للبيئة في الولايات المتحدة، وتم إرسال نسخة منها إلى أمانة الاتفاقية الإطارية بشأن التغير المناخي في بون لنشرها على الموقع الالكتروني للاتفاقية، كما تم خلال انعقاد مؤتمر الأطراف الخامس عشر في كوبنهاجن إهداء نسخ منها لبعض الدول والمجموعات الصناعية الكبرى الأطراف في الاتفاقية، مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا بصفتها ممثلاً لمجموعة التوازن البيئي.

ارتفاع منسوب البحر

ولتفسير عدم التوصل إلى معدلات يقينية للارتفاع المتوقع لمستوى سطح البحار بالدولة فقد اتبعت الدراسة أسلوب السيناريو حيث تم تحليل اثنين من السيناريوهات المحتملة ما بين عامي 2050 و2100 واهم نتيجة توصلت إليها الدراسة هي ان المناطق الساحلية ستتعرض للغمر الشديد بالماء بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر حيث من المتوقع ان يزحف خط الشاطئ الحالي إلى الداخل بصورة ملحوظة حيث أن كل المدن الساحلية في الإمارات ستتعرض لمستويات متزايدة من الغمر وذلك وفق اختلاف السيناريو.

وعند النظر إلى أبوظبي كمثال، فحتى السيناريو الذي يشير إلى أقل ارتفاع لمستوى سطح البحر يتوقع ان مساحات كبيرة من المناطق الساحلية المقام بها مباني ستتعرض للغمر بالماء، أما السيناريو الذي يشير الى أقصى ارتفاع لمستوى سطح البحر فيتوقع أن تكون المساحة المغمورة بالماء كبيرة للغاية مقارنة بالسيناريو الأول وأن تؤدي الى زحف حافة الشاطئ نحو الجنوب بمسافة تتراوح بين 25 و 30 كيلو متراً.

ووفقا للدراسة فانه يتوقع ان تظهر تأثيرات غمر مشابهة لذلك على سواحل إمارات أخرى في دولة الإمارات حسب سيناريو ارتفاع مستوى سطح البحر حيث يتراوح إجمالي مساحة الأراضي الإماراتية المعرضة للغمر من 1155 كم مربع إلى حوالي 5 آلاف كيلو متر مربع وهو ما يعادل نسبة تتراوح بين 1% إلى 6% تقريبا من إجمالي مساحة الدولة.

انخفاض إعداد أشجار المانجروف

وأكدت الدراسة أن هذا الغمر سيؤدي إلى عدد من الآثار السلبية على النظم البيئية والمناطق الطبيعية الحساسة على طول ساحل الإمارات حيث أن مناطق السبخات التي ترتفع عن سطح البحر ببضعة أمتار فقط سيؤدي غمرها إلى تغير نسبة ملوحتها وفي المستقبل من المتوقع أن تتعرض مناطق السباخات للزحف إلى الداخل .

كما أن غابات المنغروف التي تعد سريعة التأثر بدرجة حرارة البحر وعمق الماء ودرجة ملوحته جذور تلك الأشجار تحتاج أن تكون مكشوفة بالكامل لفترات معينة من اليوم وهو ما سيصبح أمرا مستحيلا في ظل ارتفاع مستوى سطح البحر المتوقع في المستقبل إلا إذا كان بمقدور أشجار المنغروف أن تزحف إلى أعلى لكن إن لم تستطع الزحف فمعنى هذا أن غابات المنغروف سيقل عددها في الدولة بسبب غمر السواحل وموت الأشجار.

كما انه وفقا للدراسة فإن هذا التغير في ارتفاع مستوى سطح البحر سيؤدي الى التأثير على جزء مهم من السلاسل الغذائية لبقر البحر وسلاحف البحر وغيرها من الكائنات حيث ستتأثر سلبا بارتفاع درجة حرارة سطح البحر والتغيرات في المد والجزر واختلاف المحتوى الملحي وتغير أعماق المياه وتغير محتوى ثاني أكسيد الكربون في المحيطات.

كما ستتأثر الشعاب المرجانية وتقلل أعدادها فيما يتعرض بعضها للموت إضافة إلى تأثر العديد من الحيوانات والطيور البحرية وهجرتها وسيؤدي ارتفاع منسوب المياه إلى أضرار كبيرة بالبيئة الساحلية المشيدة وإلحاق أضرار بالغة بالنمط السكاني والمعيشي في السواحل.

التأثيرات على الموارد المائية بإمارة أبوظبي

تشير التحليلات التي تضمنتها الدراسة إلى أن الحاجة لزيادة الإنتاج الزراعي والتنمية سوف تعلو على آثار تغير المناخ على قطاع الموارد المائية. وقد انطلقت الدوافع التحليلية من أنه ينبغي النظر بجدية إلى الأهداف طويلة الأجل والعمل من ثم على استدامة قطاعي الزراعة والغابات. وإذا استمر هذان القطاعان في استخدام المياه عند المعدل الحالي، فسيتواصل الضغط على الموارد المائية المحدودة. ولن يؤدي تغير المناخ إلا إلى التعجيل بحدوث المشكلة.

وسيكون لتغير المناخ أثر عميق على قطاع الغابات. ويشمل ذلك تغيير التركيبة النوعية، وانقراض الأنواع ذات القدرة المتدنية على التحمل. إضافة إلى أن آثار تغير المناخ على الاحتياجات من مياه الري الزراعي ستكون كبيرة جداً حيث يؤدي تملح الأراضي إلى التقليل من الإنتاجية وخاصة عندما تتجمع الكثير من الأملاح في التربة.

وسيؤدي التغير المناخي إلى تزايد جفاف المناطق القاحلة وتناقص رطوبة التربة وتناقص الأراضي العشبية والشجيرية العشبية شبه القاحلة إضافة إلى تحول الأراضي الجافة نحو الحوليات أو الشجيرات المعمرة.مكن أن تؤدي التغيرات المتوقعة في الفصول إلى الإخلال بالتزامن الحيوي بين الكائنات.

السياسة العامة لتغيير المناخ

في عام 2009، وضعت الهيئة وبالتعاون والتنسيق مع الجهات المعنية السياسة العامة للتغير المناخي لإمارة أبوظبي، وفقا لمتطلبات اتفاقية تغير المناخ، والتي تتمحور حول الأهداف الرئيسية والجهود اللازمة في القطاعات ذات التأثير على ظاهرة التغير المناخي والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة في تلك القطاعات. وقد بلغت هذه القطاعات في مجملها ثلاثة عشر قطاعا منها قطاع الطاقة وإدارة النفايات والمناطق الساحلية والأنظمة البيئية للأراضي الجافة والنقل ومصادر المياه وغيرها.

وتقوم الهيئة حاليا بالتنسيق مع وزارة البيئة والمياه لتطوير السياسة العامة لتغير المناخ لدولة الإمارات. وعلاوة على ذلك ، قامت الهيئة خلال السنوات الثلاث الماضية، بتكثف جهودها الرامية إلى رفع مستوى الوعي بشأن تغير المناخ، خاصة بين فئة الشباب، وذلك من خلال المسابقة البيئية السنوية لطلاب إمارة أبوظبي. كما تستمر الهيئة بتقديم محاضرات وورش عمل لطلبة المدارس الحكومية والخاصة والتعليم العالي بشأن موضوع تغير المناخ والاحتباس الحراري.

كما تم إصدار مجموعة من الكتب الموجهة للاطفال وطلبة المدارس بهدف التوعية بمختلف الجوانب ذات الصلة بالتغير المناخي باللغتين العربية والانجليزية. وقد صدر مؤخرا كتيب بعنوان «التغير المناخي بعيون أطفالنا» يضم مجموعة من الأعمال الفائزة في المسابقة البيئية التي أجريت على مدى العامين الدراسيين الماضيين، يقوم فيه الأطفال بالتعبير عن مخاوفهم من تغير المناخ.

توصيات

أوصت الدراسة بتوظيف تقنيات جمع البيانات والتقييم والإدارة والمراقبة ضمن إطار عمل إداري قابل للتعديل والتطوير وتعزيز التعاون بين القطاعات والوزارات وبناء الشراكات وتطوير العلاقات من المتطلبات الأساسية لدولة الإمارات العربية المتحدة للتصدي للتحديات التي يفرضها التغير المناخي.

كما دعت إلى إنشاء نظام للمعلومات للوصول إلى فهم أوسع لحساسية المناطق الساحلية والداخلية والموارد المائية وسرعة تأثرها بالتغير المناخي وتحديد أفضل الاستراتيجيات للتكيف المستقبلي مع آثار التغير المناخي، عن طريق جمع مزيد من البيانات التفصيلية لإعداد الخرائط الكافية لصناعة القرارات المتعلقة بالتمويل أو إنشاء البنيات التحتية أو نمذجة التحركات المحتملة للسكان.

أبوظبي- ماجدة ملاوي