تم الاتصال بالطائرات العمودية حيث قامت بإلقاء آلاف المسامير المثلثة أمام السيارة ما أدى إلى تمزيق عجلاتها بالكامل، ورغم ذلك حاول «الهدف» أن يسير بها مبتعداً عن الطائرات العمودية التي بقيت تلاحقه كانت عملية التصوير تتم لحظة بلحظة عن طريق جهاز (FRI) فقد أصبح واضحاً أن اللغز والسر يكمنان في السيارة

في صبيحة أحد الأيام اتصل بنا رئيس القسم قائلاً إن هناك اجتماعاً طارئاً وأن مسؤولاً كبيراً جداً سيرأس الاجتماع. وبالطبع فإن اجتماعات هذا النوع لا تنبئ بخير بل إن وراءها أمراً مهماً، كان الجميع يسأل عن سبب هذا الاجتماع المفاجئ والطارئ لكن أحداً لم يكن يعرف حتى رئيس القسم نفسه كان يجهل السبب.

بداية الاجتماع

في قاعة بعيدة عن الأضواء والشمس والعيون تم الاجتماع، جاء المسؤول الكبير وجلس على الطاولة المخصصة له ولم يتكلم حتى باقة الورد التي كانت أمامه أخذها بيده وألقاها جانباً. كان واضحاً أن الأمر خطير، وأخيراً بدأ يتكلم، كانت الأوامر تخرج من فمه وكأنها قضبان حديد محمية بالنار، بدأ حديثه بصوت عادي، ولكن ما كاد ينسجم في الكلام حتى تغيرت لهجته صاباً جام غضبه علينا، لأننا مقصِّرون، فقد أصبحت المخدرات تباع في كل مكان وكأنها مشروبات غازية.

حاول رئيس القسم أن يتكلّم بعد أن استأذن المسؤول الكبير، لكن المسؤول رفض أن يأذن له، بل صبّ جام غضبه عليه وعلى فريقه قائلاً: لقد وضعنا تحت تصرفكم كل ما تريدون، فكيف تصل المخدرات إلى الشباب الذين يرقدون الآن في غرف العناية المركزة بالمستشفيات، وهناك آخرون في أماكن التأهيل، وآخرون في المقابر؟ فأين أنتم وكيف تنتقل المخدرات من هذه المدينة إلى تلك تحت سمعكم وبصركم دون أن تقبضوا على الجناة.

حاول رئيس القسم أن يتكلّم من جديد، لكن نظرة من المسؤول الكبير أفقدته القدرة على النطق، فجلس في مكانه دون حركة أو صوت. انتهى الاجتماع بجملة قالها المسؤول الكبير، وهي: «... في الأسبوع المقبل في ذات المكان والزمان سنجتمع، وأريد أفعالاً لا تبريرات فارغة». ثم انصرف دون أن يهتم إن كنا سنؤدي له التحية العسكرية أم لا.

بعد الاجتماع، جلسنا مع رئيس القسم، لا نعرف ماذا نفعل أكثر مما نفعله، فنحن نراقب المشبوهين ليل نهار، بل وأصبحنا نراقب هواتفهم النقالة والأرضية، ولكن لا يوجد دليل على أنهم ينقلون المخدرات بين المدن.

وأخيراً قرر رئيس القسم وضع دوريات على الطرق الخارجية بين المدن، يدعمها أسطول من الطائرات العمودية لتتدخل عند اللزوم، فقد كانت أوامر المسؤول الكبير واضحة وتهديده لنا ليس فيه لَبْس.

كانت الدوريات مزودة بالكلاب البوليسية، وتوقف وتفتش كل مشتبه فيه. وعلى مدار أسبوع كامل لم يتم العثور على أي شخص يروِّج المخدرات، لكن المعلومات تقول إن المخدرات يزداد وجودها يوماً بعد يوم في المدن الرئيسية، والدليل على ذلك أن الكثير من الشباب يصلون إلى المستشفيات فاقدي الوعي.

كان الأمل معقوداً على أن يتكلّم أحد الشباب الذين يرقدون في العناية المركزة حتى يخبر الأجهزة الأمنية من أين حصل على المخدرات، وأخيراً أفاق ثلاثة منهم.

كانت هذه بمثابة طوق النجاة لنا ولرئيس قسمنا، لكن فرحتنا لم تكتمل، فقد أخبرونا ثلاثتهم انهم لا يعرفون أحداً من موزعي المخدرات، حيث إنهم يتلقون مكالمة هاتف عمومي يقول له المتكلم: هل تريد هذا النوع من المخدرات. وعندما يقول نعم، يقول له المتكلم: ستجد ما تريد في المكان (الفلاني) وضع في المكان ذاته 50 أو 100 دولار ثم انصرف.

كانت هذه خطة جديدة في توزيع المخدرات، فالموزعون لا يريدون أن يعرفهم المتعاطون أو يروا وجوههم حتى لو وقعوا في قبضة البوليس لا يكشفون عنهم، وفعلاً هذا ما حدث، ما يعني أننا عدنا إلى المربع الأول.

قال أحد الزملاء: يجب أن نبحث عن الموزعين الرئيسيين. فردّ عليه رئيس القسم: إذا كنا لا نعرف الموزعين الفرعيين الذين يتجولون في الشوارع، فكيف نعرف الرؤوس الكبيرة؟ فهذه الرؤوس تعرف كيف تتخفى وكيف تحمي نفسها.

الاتصال بالإنتربول

أخيراً تم الاتصال بالإنتربول للتشاور معه، حيث جاء بالتقرير أن هذه المخدرات تستخرج من الأدويةٍٍّّ المستخدمة في علاج الأمراض النفسية بعد إضافة مادة (..........) إليها، والمشكلة في هذا المخدرات أنها يمكن تصنيعها في أي مطبخ في أيّ بيت إذا توفرت مادة (....) مع درجة حرارة 30 مئوية حيث يتم غلي الخليط على نار هادئة.

كان التقرير مهماً، فقد وضع أمامنا فرصة كي نعرف بداية تلك المخدرات لذا تم إرسال تعاميم إلى المستشفيات والصيدليات بعدم صرف أدوية الأمراض النفسية إلا بعد معرفة الأجندة الأمنية وبعد التأكد من الوصفة الطبية ومن المريض وأن تُعطى الأدوية للمريض في العيادة الخاصة أو المستشفى ولا يأخذها معه إلى البيت. وكانت الأوراق واضحة وصارمة حيث التزم بها الجميع، إلا أن ذك لم يخفف من حدة انتشار هذا النوع من المخدر وسط الشباب، فقد كانت المعلومات تشير إلى أنه أصبح ينتشر بينهم مثل السجائر.

عقدت الأجهزة الأمنية اجتماعاً طارئاً وأبقته مفتوحاً على مدار الساعة وسربت معلومات مفادها رصد جائزة مالية كبيرة جداً لمن يدلي بمعلومات عن الموزعين لهذا المخدر وإذا كان المبلِّغ متعاطياً فسوف يأخذ الجائزة وسيُعامل كأنه مريض وليس متعاطياً أي أنه لن يخضع للعقاب بل سيخضع للعلاج الصحي والنفسي حتى يستعيد عافيته.

ورغم أن الجائزة كانت كبيرة إلا أن أحداً لم يتقدم بالإبلاغ عن شيء، تمت العودة إلى المساجين في قضايا المخدرات مع وعد بتخفيف العقوبة إن هم أدلوا بأية معلومات عن المخدر الجديد وعن الموزعين لكنهم قالوا إنهم لا يعرفون هذا النوع من المخدر لكنهم سمعوا بأن نوعاً جديداً من المخدرات نزل إلى السوق وأنه قوي جداً وحبته صغيرة جداً لكنهم لم يجربوه لأنهم لا يعرفونه ولا يعرفون من يوزعه.

أصبح الأمر صعباً وكأننا كنا نبحث عن معجزة، فقد جلسنا معاً في غرفة واحدة لأكثر من ساعة لم ينطق أحدنا بكلمة واحدة، أما رئيس القسم فقد خلع حذاءه وجلس على الأرض ينفث دخان سيجارته في الهواء ولن أجافي الحقيقة إذا قلت إنه دخن في تلك الساعة أكثر من عشرين سيجارة، وكأنه كان ينتقم من نفسه بسبب عدم قدرتنا على الإمساك بخيط رفيع يوصلنا إلى مروجي المخدرات.

طلب منا رئيس القسم أن نذهب إلى بيوتنا وننام بعمق ثم نأتيه بتصور (أي كل واحد فينا يضع تصوره، كيف توزع المخدرات وكيف يمكن القبض على المروجين).

كانت هذه فرصة العمر كي نذهب وننام بعد هذا العناء الشديد وشدّ الأعصاب، أما هو فقد وضع حذاءه تحت رأسه وبدأ يغمض عينيه محاولاً النوم.

ولأن الرجل تربطني به علاقة جيدة طلبت منه أن نذهب كي نتغدى قبل أن نذهب للنوم، فقال لي لا أستطيع فقد سلبني هؤلاء الحثالة لذة الطعام والنوم، ولن يهدأ لي بال قبل أن أمسك بهم وأضعهم بنفسي في السجن.

في اليوم الثاني حضرنا إلى الاجتماع وكانت المفاجأة أن رئيس القسم كان لا يزال في الغرفة ذاتها وحوله المئات من أعقاب السجائر وعدد من كؤوس الشاي.

بعد أن عرضنا عليه خططنا قال لنا لقد نسيتم شيئاً مهماً وهو أن المدينة التي نحن فيها لا يوجد فيها هذا النوع من المخدر حتى الشباب الذين في المستشفيات هم من أماكن أخرى غير مدينتنا، لذا علينا أن نتوزع إلى مجموعات ونسافر من الآن إلى المدن الأخرى رغم أن الشباب من زملائنا في تلك المدن غير مقصرين ويبذلون جهداً كبيراً إلا أنهم يحتاجون إلى خبرتنا ومساعدتنا.

خلال أربع ساعات كانت كل مجموعة قد انتقلت إلى المدينة التي تم فرزها لها حيث بدأ العمل بكل هدوء ولكن بجدية كاملة.

بداية الخيط

لم يمض على وجودنا أكثر من أربع وعشرين ساعة حتى اتصل أحدهم وقال لقد أمسكت ببداية الخيط فخلال مراقبتي للهاتف العمومي الذي كنت مسؤولاً عنه شاهدت شخصاً يحضر إلى هناك ويتكلم بالهاتف ثم ابتعد قليلاً وبدأ كأنه يركض ثم جاء شخص آخر ووضع لفافة تحت صندوق الهاتف ثم انصرف ثم جاء شخص ثالث وأخذ اللفافة، وأضاف لقد صورت كل ذلك بهاتفي النقال والصور أصبحت الآن معي.

كان واضحاً أن العملية تسليم واستلام حيث طلب رئيس القسم مراقبة الهواتف العمومية بشكل مستمر ثم قام بتزويد المراقبين بكاميرات ديجتال حساسة للغاية.

تم وضع الصور التي التقطها زميلنا بالهاتف النقال على الكمبيوتر حيث تبين بأن أحد الأشخاص مسجل على قائمة مروجي المخدرات أما الآخران فوجهان جديدان.

بعد تتبع الشخص اتضح أنه يعمل في معرض للسيارات المستعملة كانت الأوامر الصادرة من المسؤولين عدم القبض عليه بل بإعطائه الأمان قدر الإمكان حتى لا يهرب ثم إن الهدف هو القبض على العصابة كلها وليس واحداً فقط.

أصبح الهدف أمام أعين رجال الأمن فلا يغيب عنهم لحظة واحدة بل إن اثنين من رجال الأمن ذهبا إلى المعرض حيث يوجد الهدف وتحدثا معه عن السيارات وأسعارها وأنواعها دون أن يكشفا بالطبع عن هويتهما.

خلال المراقبة لاحظ رجال الأمن بأن الهدف قبل أن يبيع سيارة يفتح غطاء الموتور ويضع لفافة صغيرة في أحد جوانب فلتر الهواء كانت عملية التصوير تتم لحظة بلحظة عن طريق جهاز الـ «ئزش» بعد دراسة متأنية للصور قرر أحد رجال الأمن أن يذهب لشراء سيارة فقد أصبح واضحاً أن اللغز والسر يكمنان في السيارة.

ذهب الرجل إلى معرض السيارات واختار سيارة وبعد جدال ونقاش حول السعر قال له الهدف سأعطيك السيارة ولكن عليك أن تأخذها إلى ورشة «.....» في مدينة «.....» حيث سيقومون بتغيير سفايف البريك والعجلات وقطع غيار أخرى مجاناً، قال رجل الأمن ولماذا لا تغيرون ذلك هنا بدلاً من أن أذهب كل هذه المسافة إلى مدينة «.....».

فقال له الهدف كما ترى نحن هنا معرض للسيارات وليست ورشة ثم إن ذلك سيعطيك فرصة أن تفحص السيارة بنفسك فإن كانت جيدة على الطريق أخذتها وإن لم تكن كذلك أرجعتها إلينا فنحن أناس شرفاء لا نريد أن نظلم أحداً من زبائننا.

وافق رجل الأمن على ذلك وقال سأعود لكم بعد ساعتين لأن علي أن أذهب إلى البيت لأجهز نفسي للسفر، فقال له الهدف عندما تعود ستكون السيارة جاهزة في انتظارك.

ذهب رجل الأمن تاركاً الهدف والسيارة في حين بقي رجال الأمن الآخرون يصورون كل شيء، حيث قام الهدف بفتح غطاء الموتور ووضع لفافة في فلتر الهواء ثم أغلق كل شيء وبدأ في تلميع السيارة.

في الوقت المحدد جاء رجل الأمن وأخذ السيارة واضعاً في يد الهدف نصف قيمتها على أن يعطيه بقية المبلغ بعد أن يتأكد من صلاحيتها.

من جانبه سلم الهدف رجل الأمن ورقة فيها عنوان الورشة التي سيذهب إليها في المدينة تلك، كانت المسافة بين المدينة التي فيها الورشة والمدينة التي فيها معرض السيارات نحو 130 كيلومتراً.

في الطريق إلى المدينة التي فيها الورشة تم فتح السيارة ومعرفة اللفافة، حيث تبين أنها تحتوي على المخدرات التي تبحث الأجهزة الأمنية عنها.

تم الاتصال بالمسؤولين الذين قالوا لرجل الأمل أعد كل شيء إلى حاله وتصرف كأنك لا تعرف شيئا واذهب إلى الورشة بسرعة حتى لا يشك فيك الهدف أو الرجل صاحب الورشة.

انطلق رجل الأمن إلى الورشة حيث استقبله صاحبها استقبالا جيدا وقال له تفضل تناول الشاي وبعضا من الحلويات حتى أفحص لك السيارة.

قام صاحب الورشة بتغيير عجلات السيارة حتى دون أن يفحصها ثم فتح غطاء الموتور وبدأ يبحث عن اللفافة وفعلا أخذ اللفافة ووضعها في قطعة قماش كان يستخدمها في مسح زيت موتور السيارة.

عندما وضع اللفافة في يده أطبق عليه رجال الأمن وقالوا له إذا تعاونت معنا فسوف نخفف عنك الحكم وقد نعتبرك شاهدا وطلبوا منه أن يتصل بالرأس المدبر للعملية، بعد أخذ ورد وافق الرجل حيث اتصل بمعرض السيارات وكان الهدف هو الذي على الخط التالي.

قال له صاحب الورشة بأن السيارة التي أرسلتها قد تعرضت إلى حادث مروري وأريدك أن تحضر لنخرج الأمانة قبل أن يحدث أي شيء.

خلال ساعة قطع الهدف المسافة وجاء مسرعا، وقبل أن يدخل إلى الورشة عاد مسرعا بسيارته وهنا تم الاتصال بالطائرات العمودية حيث قامت بإلقاء آلاف المسامير المثلثة أمام سيارته ما أدى إلى تمزيق عجلاتها بالكامل ورغم ذلك حاول الهدف أن يسير بها على الإسفلت حيث بدأ (الجنط) في الجهات الأربع يضرب في الشارع ويثير دويا هائلا.

وأخيرا وقفت السيارة وتم إلقاء القبض على الهدف فنزل أكثر من عشرين من رجال الأمن من الطائرات العمودية التي كانت تتابع الموقف وحملوه إلى غرفة التحقيق.

الاعتراف

في غرفة التحقيق كان رئيس القسم يجلس متحفزا حيث قال له عليك أن تعترف وإلا.... فأنت لا تدري كيف دمرت حياتي خلال الفترة الماضية وكيف دمرت حياة أسرتي عدا عن أنك دمرت حياة الكثير من الشباب لذا عليك أن تتحدث وإلا سترى ما سأفعله بك.

قال الرجل طلبت من الموزعين أن يتعاونوا معي لكنهم رفضوا لأنهم كانوا خائفين من الشرطة ولأن عصابة أخرى هددتهم بالإبلاغ عنهم لأن العصابة الثانية لم تأخذ نصيبها في المخدر الجديد، لذلك اخترعت قصة السيارات هذه ومعرض السيارات المستعملة، فقد كنت أطلب من كل شخص يشتري سيارة من عندي أن يذهب إلى هذه المدينة أو تلك حيث ستقوم إحدى الورش هناك بتغيير أي جزء غير صالح في سيارته.

وبالطبع كان الجميع يوافقون على ذلك خاصة لأن السيارات التي كنت أبيعها كانت رخيصة مقارنة مع السوق فكان الشخص يحمل شحنة المخدرات في السيارة دون أن يدري، وكان لهذه الطريقة ميزتان الأولى أن صاحب السيارة يقوم بنقل المخدرات دون أن يأخذ اموالا والثانية انه لو تم القبض عليه فسوف أتنصل أنا من التهمة وأقول بأنه هو الذي وضعها وليس أنا.

وفي اليوم الثاني كان المسؤول الكبير جداً أمامنا يبتسم ويقول تفضلوا لقد دعوتكم إلى الغداء وسيتسلم كل واحد منكم جائزة قدرها 000,10 دولار وثلاثة أيام إجازة تأخذونها بالتناوب.

Crime_story2009@hotmail.com

إعداد ـ أحمد سلطان