في هذين الإسمين الجليلين تعلوه هيبة مهيبة تجعله يتضاءل ويتضاءل حتى لا يرى نفسه شيئاً في الوجود يستحق الذكر، ويتصاغر أمام المعاني التي تتزاحم على لبه فلا يكاد ينطق بمعنى منها حتى يرى أنه لم يقل شيئاً يليق بذاته تعالى في هذين الإسمين المقدسين.
فمعنى العلي: الذي لا تدرك ذاته ولا تتصور صفاته، فسبحان من لا يدرك ذاته إلا ذاته، ولا يحيط الخلق متفرقين أو مجتمعين بصفة من صفاته.
فكيف يدرك الناقص كمال من له الكمال؟!
وهو الذي تتيه الألباب في سرادق جلاله، وتتحير الأرواح في ريحان جماله فهو الروح والريحان في جنة الذكر والفكر.
ولا يستمتع بهذا الروح والريحان إلا من شغلت قلوبهم بدوام ذكره وترجمت ألسنتهم ما في قلوبهم فشغلت هي الأخرى به عما سواه من القيل والقال.
فإذا سيطر الحب الإلهي على القلب، لا يترك فيه ذرة لحب من سواه.
وعندئذ يعاين بنور الله شيئاً من نور الله بقدر مقامه في العبودية فإذا عاين ما شاء الله أن يعاين وجد هناك جنة الخلد في دنياه.
والعلي: هو الذي يعلو أن يحيط به وصف الواصفين وعلم العارفين، فتعالى الله علواً كبيراً في ذاته وصفاته وأفعاله، إذ لم يجعل للخلق سبيلاً لإدراك أوصافه العلية ولا أفعاله المبنية على العلم المحيط والحكمة البالغة والإرادة النافذة والقدرة المنفذة.
فسبحان من لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وتبارك الله في ملكه، وتعالى على عرشه، خضعت الجن والإنس لجبروته، وسبح كل شيء بحمده، وهو القاهر فوق عباده، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.
العلي هو الذي لا يزيده تعظيم العباد علواً، إذ هو عال بذاته وصفاته على سائر مخلوقاته غني عنهم وهم الفقراء إليه، لا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم.
وهو المتعالي عن الأنداد والأضداد (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فلا يدانيه أحد مهما علت رتبته فهو الذي يمنع عباده ما شاء من فضله ويضع من شاء في أي رتبه شاء، وهو ولي النعم كلها، تعالى بفضله ورحمته عن الوجود كله.
ولا يقال: إنه في السماء، إلا إذا أردنا بالسماء العلو المطلق، فقد كان الله ولا شيء معه، فهو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية ? أراد أن يعرف فخلق الخلق وعرفهم بنفسه فيه عرفوه فعبدوه طوعاً.
(وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً).
والفرق بين العلي والمتعالي من حيث المعنى ظاهر فالعلي قد تقدمت معانيه والمتعالي هو الذي يتعالى عن إفك المفترين وغرور المغترين فيقهر بجبروته كل من تحدثه نفسه أن ينازعه في صفة من صفاته، أو يدعي لنفسه شيئاً من المكانة في هذا الوجود، اكتسبها بقدرته.
وأما الكبير فهو الذي لا عز إلا عزه، وذلك لأنه يقال للسيد الشريف العزيز في قومه: إنه الكبير.
كما جاء في قوله تعالى: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا).
وعز الكبراء مؤقت وناقص وقاصر، وغالباً ما يكون مختلفاً ليس له وجود وعز الله دائم ابدي سرمدي. (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً).
وأعظم الذكر على الإطلاق أن يقول العبد في صباحه ومسائه: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر.
رجاء علي