كثرة الإنفاق غير المبرر من المسائل التي حرمها الإسلام وحذر منها سواء كان فيما أحل الله أم ما حرمه، خاصة إذا كان من أجل المجاملة ومجاوزة القصد، فما تشهده الساحة هذه الأيام يتنافى مع أسس الشريعة الإسلامية ومفاهيم الاقتصاد الإسلامي الذي يحث على بناء المجتمعات وتنميتها صناعيا وزراعيا وعلميا، وترشيد الإنفاق، ودعا علماء ومفكرون إسلاميون إلى الاهتمام بعلاج مشكلات الفقر والحاجة.
في هذا الإطار يشير د. محمود يوسف كريت، أستاذ أصول الدين، إلى أن الشريعة الإسلامية حرمت إنفاق المال العام على جهات يحرم الإنفاق عليها، وحرمت في المقام الثاني الإنفاق الاستهلاكي المبالغ فيه؛ لافتا أن تلك الأمور منهي عنها.. وقال بضرورة أن توضع تلك الأموال في مواطنها الطبيعية وتوجيهها توجيهاً صحيحاً بما يعود بالخير والنفع على الفرد والمجتمع؛ لأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديث المغيرة بن شعبة قال إنه عليه الصلاة والسلام نهى عن القيل والقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وهذا يدل على تحريم إضاعة المال، والإسراف إضاعة لأنه نفقة بلا عائد، كما يعتبر الحديث منهجًا للتوسط بين إطلاق اليد وقبضها.
ويؤكد د. صبري عبدالرؤوف، أستاذ الفقه المقارن، أن فقهاء الإسلام وضعوا ضوابط وأولويات يجب الالتزام بها في كل شؤون حياة المسلم حتى لو كان في شراء احتياجاته وقسموا الأولويات على ثلاثة أقسام، هي الضروريات اللازمة لتحقيق المقاصد الشرعية، ولا تستقيم الحياة بدونها كالمأكل والمشرب والملبس والحاجيات، وهو ما ينفقه الفرد لجعل الحياة أفضل وأقل مشقة، وحذروا من الإنفاق عليها إلا بعد استيفاء الضروريات؛ أما التحسينات وهي تتمثل في بنود النفقات التي تجعل حياة الفرد رغدة طيبة، ولا يجب الإنفاق عليها إلا بعد استيفاء الضروريات.
لكن ما يؤسف له هذه الأيام أن الأفراد والحكومات ينفقون الأموال على الترفيهات والكماليات في الوقت الذي يعانون فيه من نقص في الضروريات، وتكون نتيجته حدوث العديد من المشكلات.
وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالتوازن بين الكسب والإنفاق على مستوى البيت والدولة؛ لذلك يجب على الفرد ألا يكلف نفسه أكثر مما يطيق، والأصل في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقَنَّعَهُ الله تعالى بما آتاه».
ويرى د. نصر فريد واصل، مفتي مصر الأسبق، أن الإسلام أمر بالتوسط والاعتدال في جميع الأمور، فإذا خرجنا إلى حد الإسراف والتبذير فيعد ذلك تبذيرًا؛ وهذا ما نراه في الحفلات العامة بالفنادق والقرى السياحية أو عند إقامة المهرجانات، فماذا يعود على المواطن البسيط أو الفقير من هذا الصخب؟.. أليس من الأولى بناء مدارس تخرجه من ظلمات الجهل، أو إقامة مشروعات تنموية توفر فرص عمل حقيقية..
وانطلاقا من ذلك يدعو الإسلام جميع الأفراد سواء كانوا مسؤولين أم غير مسؤولين أن يتقوا الله في تصرفاتهم، وأن يلتزموا بالمنهج الإسلامي في أوجه الإنفاق، وأن يبتعدوا عن كل مظاهر البذخ والإسراف حتى لا يكونوا أخوانا للشياطين كما قال الله سبحانه وتعالى: «إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا».. وأن يتصدقوا في الأوجه التي أحلها الله.
ويؤكد د. مصطفى مراد أستاذ العقيدة، أن الإسلام أمرنا أن نتجنب تقليد غير المسلمين في سنتهم وعاداتهم وتقاليدهم التي تخالف أحكام ومبادئ الشريعة؛ وإذا نظرنا إلى سلوكيات المستهلكين هذه الأيام نجد الكثير منهم ينفقون أموالهم في تقليد الغرب والشرق في عاداتهم وتقاليدهم وبدعهم التي لا يقرها الإسلام من قريب أو بعيد، ومن أمثلة ذلك نفقات أعياد الميلاد والسهرات والحفلات.
ويشير إلى أن الله سبحانه وتعالى سوف يسأل فقهاء المسلمين والدعاة عن التقصير في تبصير الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه الأسرة من عجز في ميزانياتها نجدها تقترض لشراء السمن والدقيق والسكر والزيت والمكسرات حتى تقلد الجارة والصديقة والقريبة.
ويشدد أستاذ العقيدة على ضرورة أن يفقه كل فرد أمر دينه، ويستشعر أنه مسؤول ومحاسب أمام الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته».
أما الدكتور عبدالله سمك أستاذ مقارنة الأديان؛ فيقول: ينبغي على الأمة الإسلامية أن تكون نموذجا يُحتذى به للأمم والشعوب الأخرى، حيث كان ينبغي عليها التقشف لعبورها بسلام لأن الإسلام أمرنا بالتقشف عند وقوع الأزمات؛ ولقد ورد في سورة يوسف عليه السلام نموذج يعتبر معيارًا مقتدى به في تفسير رؤيا الملك على لسان سيدنا يوسف، يقول القرآن الكريم على لسان سيدنا يوسف: «قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون» يوسف 4847، ولما وليَّ سيدنا يوسف، عليه السلام، أميناً على خزائن الأرض وضع خطة للاستهلاك تقوم على الاقتصاد والتقشف حتى أخرج الأمة من أزمتها.
وقد مرت الأمة الإسلامية على مر العصور بأزمات اقتصادية فكان الرسول، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون يبيتون ليالي وأياما طويلة جائعين يشدون الأحجار على بطونهم الخاوية أيام الضنك والمجاعة لا يأكلون إلا ما يأكل سائر الناس كي يشعروا بشعورهم ويتحسسوا تجربتهم ويسرعون في إيجاد الحلول لبؤسهم وضنكهم، وقال صلى الله عليه وسلم: «اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم».
داعيا المجتمعات الإسلامية إلى ضرورة أن تتخلص من هذه العادات الذميمة التي لا تعود علينا وعلى الأمة الإسلامية بالنفع حتى نكون عند حسن ظن الرسول صلى الله عليه وسلم.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

