لا يزال الكلام موصولا عن التميز الإداري في الإسلام، فديننا الإسلامي هو دين الإدارة الشاملة الكاملة التي تؤدي بإذن الله إلى العزة والنجاح وإلى أن يعيش الناس حياة طيبة سعيدة، ولذلك جعله الله خاتم الأديان، فيه العلم والهداية وفيه الخير والدراية، ينير الطريق للفرد والمجتمع في جميع جوانب الحياة دينيا وثقافيا واجتماعيا.

ولذلك فإن العلوم الحياتية التي يحتاجها كل مسلم ومسلمة كثيرة ولكن من أهمها علم الإدارة أو فن الإدارة، فالرجل في بيته يحتاج إلى إدارة والمرأة في بيتها تحتاج إلى إدارة، وكذلك الموظف والمدير يحتاج إلى إدارة، فالإدارة هي بمعنى التنظيم وحسن التدبير والحكمة في التصرف، يقول الله تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كبيراً}، وقد بينا في المقال الماضي أن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام فيها قواعد وأسس علم الإدارة منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا واضح في كتاب الله وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو نظرنا في أي جانب من جوانب الإدارة أو التخطيط أو القيادة أو الاتصال أو التحفيز أو الرقابة أو التنظيم أو الإبداع، وغيرها الكثير الكثير، لوجدتها ظاهرة في شريعتنا خصوصاً في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وقصص الأنبياء، وسيرة خلفائه الراشدين الكرام رضي الله عنهم. بل لو أمعنت النظر جيداً في القرآن والسنة فإنك لتجد الإدارة الإسلامية لا تُضاهى في بناء أعضائها وجودة عملياتها وفعالية مخرجاتها.

إن للإدارة ثوابت وأصولا عامة لا تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، ومن هذه الأصول: وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب: فالناس مختلفون في قدراتهم وإمكاناتهم العقلية والجسمية، فقد يصلح بعضهم في عمل ولا يصلح لآخر، وهنا تظهَر حنكة القائد في معرفة الرجال واستخراج طاقاتهم ويظهر هذا في شخصية الرسول مع أصحابه، فخالد في قيادة الجيوش وأبو بكر وعمر الوزيران وعلي في القضاء وزيد في الفرائض والترجمة وأُبي في حفظ القرآن ومعاذ وابن عباس للعلم والإمامة وعمرو بن العاص أميراً وبلال مؤذناً.

وعدم وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب من علامات الساعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) رواه البخاري، وجاء أبوذر يطلب الإمارة، فقال له صلى الله عليه وسلم: ( يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) رواه مسلم. فإن نظام التولية في الإسلام قائم على ركنين هما القوة والإمانة، قال تعالى: { يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ).

ومن الأصول العامة التي تبنى عليها الإدارة: الشورى، فإن الشورى في فن الإدارة عملية تستجمع فيها طاقات العقول كلها لاستخلاص الرأي الصالح، ويتحمل فيها كل فرد مسؤولية القرار النهائي، ويقتنع فيها كل فرد بالنتيجة، فيندفع نحو المراد بقوة وترتفع بها ملكات الفرد وروح الجماعة، ويبقى الإنسان فيها على صلة بمشاكل أمته وجماعته، ولذلك جعل الله أمر المسلمين شورى بينهم، حتى يتحمل كل فرد من المسلمين المسؤولية كاملة ولا يبقى مسلم مهملاً، قال تعالى:{ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } وقال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}.

والذي نراه ظاهرا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه قائد حبه للشورى وحرصه عليها ومحاولته توسيع دائرتها واستخلاصه الرأي الأخير في النهاية، فقبيل غزوة بدر استشار الناس فأشار المهاجرون، فلم يكتف ثم استشار الناس فأشار الخزرج والأوس، ثم اتخذ قراره الأخير حتى يمحو أي تردد عن أي نفس، وقبيل يوم أحد استشار الناس وأخذ برأي الأكثرية، ويوم الأحزاب أخذ برأي سلمان الفارسي، ويوم الحديبية أشارت عليه أم سلمة زوجته فأخذ برأيها، إنها القيادة التي لا تستكبر أن تنزل على رأي مسلم كائناً من كان، ما دام الرأي سليماً صحيحاً، والقيادة الصالحة هي التي تعمم الشورى حتى لا يبقى لأحد رأي إلا قاله، وللكلام بقية في المقال القادم إن شاء الله.