يعتبر المساج من أقدم الفنون العلاجية التي عرفها الإنسان، وقد استأثرت بها بعض الشعوب وتعاملت بها أكثر من غيرها وخاصة في الصين التي عرفت بهذا العلاج، ومع التطور زاد الاهتمام كثيرا بهذا النوع من العلاجات الطبيعية، وأصبح لها عيادات خاصة يرتادها كل من يبحث عن علاج بعض حالات شد العضلات وكذلك الاسترخاء، وقد أثبت المساج جدارته في حل عديد المشكلات الصحية.
ورغم ما فيه من فوائد إلا أن المساج لا يبدو كذلك في شكل الإعلانات التجارية التي تنتشر في بعض الصحف الإعلانية، ولا يبدو كذلك أيضا في طرق الترويج التي يتبعها بعض العاملين في هذه المراكز أو حتى ما يحدث في داخل أروقة البعض منها، وبنظرة سريعة على إحصائيات قسم الرقابة الصحية التابع لبلدية دبي، فقد تم تسجيل 61 مخالفة بحقها معظمها يتعلق بتحويل هذه المراكز إلى أماكن سكن للموظفين فيها، وكذلك انتشار رائحة الطبخ فيها. مخالفات هذه المراكز لم تتوقف عند هذا الحد، إنما تجاوزتها لتصل إلى الإخلال بالأخلاق، وهو ما جعل منها مراكز مشبوهة ولعل أبرزها تدليك نساء لرجال وبالعكس وهو ما يشكل مخالفة صريحة للقانون. وبلا شك أن وجود مثل هذه المخالفات وغيرها إنما تفقد الثقة بهذه المراكز ويفقدها غرضها الأساسي المتمثل في تقديم العلاج الطبي وحتى الاسترخاء، علما بأن أسعار الجلسة الواحدة لا تقل عن مئة درهم في بعض المراكز لمدة ساعة واحدة فقط.
آراء مختلفة... وحول هذه المراكز قال منير الطيب: لا يوجد لي تجربة شخصية مع مراكز المساج ولذلك لا أعلم ما يدور في داخل أروقتها، ولكن في المقابل سمعت عنها الكثير من خلال أصدقائي ومعارفي، فهناك من يقول إن فيها تجاوزات تصل إلى حد تسميتها بظاهرة مقلقة، وهناك من يؤكد بأنه لا يرى فيها ما يقلق أو ما يستدعي التخوف من دخولها أو ارتيادها، وهذا يكشف لنا عن وجود مراكز ذات سمعة جيدة تحتفظ برصيد جيد من العملاء. وهناك مراكز لا تزال مجهولة الهوية، يرتادها نوعية خاصة من العملاء الذين يبحثون عن خدمة معينة وتقدمها بعيدا عن عيون القانون، ولكن بشكل عام أرى بأن هذه النوعية من الأنشطة يجب أن تكون تحت الأنظار طوال الوقت حتى تبقى أنشطتها نظيفة بعيدة عن التجاوزات.
ومن جهته قال أحمد فوزي: «لم يسبق زيارة هذه المراكز، إلا أن ما نلاحظه من نشاط في أجهزة الأمن والبلديات والجهات المعنية بالرقابة على مثل هذه المراكز، يجعلنا أكثر اطمئنانا ولا نخشى على أنفسهم من الخضوع لجلسات المساج، وطالما وجدت هذه الرقابة فلا يوجد لدي مانع لزيارتها والاستمتاع بخدماتها». وأضاف: «من يخطط لفتح نشاطاً مماثلاً لا بد وأنه سيكون على دراية بما سيقوم به، فالكثير منا يعلم من خلال التلفزيون مثلاً ما هي التمرينات الصحيحة أو تلك التي لم يراها أو يسمع عنها من قبل وبالتالي فإن شعر بأن الشخص غير مؤهل سيترك المكان فوراً وسيتوجه إلى جهات الاختصاص لتسجيل شكوى بحقهم».
رقابة صارمة
ورغم أن تلك المراكز تخضع لرقابة عدد من الجهات الحكومية إلا أن البعض ما زالوا لا يثقون فيها، وحول هذه الرقابة قال حافظ غلوم حسين، رئيس قسم الرقابة الصحية، إدارة الصحة والسلامة العامة التابع لبلدية دبي: «يجب علينا في البداية التنويه إلى أن هناك نوعين من مراكز المساج الأول علاجي وهذا يتطلب ترخيص من قبل وزارة الصحة، وأخرى خاصة للاسترخاء والتي يصل عددها في دبي أكثر من 100 مركز موزعة على منطقتي ديرة وبر دبي.
وبالنسبة لنا في قسم الرقابة الصحية نزور هذه المراكز بشكل دوري على الأقل ثلاث مرات في السنة، ونحاول خلال زياراتنا رصد المخالفات التي تتعلق بالنظافة وصلاحية البطاقات الصحية الخاصة بالعاملين في المركز والتي يتم إصدارها من قبل عيادة بلدية دبي، إلى جانب مراعاة عدم استخدام المركز لإغراض السكن، أو الطبخ وخلافة.
أما بخصوص المخالفات الأخرى سواء من ناحية التراخيص أو تدليك النساء للرجال وبالعكس وغيرها فهي تقع ضمن صلاحيات دائرة التنمية الاقتصادية في دبي، وليس ضمن صلاحياتنا.
وبصفتنا مسؤولين عن الصحة العامة فما يهمنا هو عدم انتقال الأمراض بين الناس، وأن يتمتع المدلك بصحة جيدة، وأن تكون لديه بطاقة صحية تثبت خلوه من الأمراض، كما نهتم جدا بنظافة الأسرة ونفضل أن تكون من النوع الذي يستخدم لمرة واحدة فقط، وأن يتمتع المكان بتهوية وإضاءة جيدة، وعدم استخدامه للسكن».
الإغلاق في رأس الخيمة
لقد شكلت هذه المراكز ظاهرة خطيرة لفترة من الفترات في رأس الخيمة، حيث تجردت من هدفها الأساسي لتصل إلى حدود اختراق الأخلاق، واتساع هذه الظاهرة كان سببا لقيام دائرة التنمية الاقتصادية برأس الخيمة بإغلاقها جميعا.
وحول ذلك قال محمد المحمود، مدير إدارة الشؤون التجارية في دائرة التنمية الاقتصادية في رأس الخيمة: «لا يوجد ممارسة لهذا النشاط في رأس الخيمة بعد قيام الدائرة بحملة واسعة أدت إلى إغلاق هذه المراكز نتيجة لعدم التزامها بمزالة النشاط ذاته.
وهو ما أدى إلى حدوث العديد من المخالفات والممارسات غير المشروعة فيها، وحاليا لا يزيد عدد المراكز المعتمدة في رأس الخيمة عن أصابع اليد الواحدة، ولتجنب العودة الى العهد السابق تم فرض العديد من الشروط الصارمة على هذه المراكز للحصول على الترخيص».
أما من الناحية الرقابية فقال علي أحمد، رئيس قسم التسجيل التجاري ونائب مدير إدارة الشؤون التجارية بدائرة التنمية الاقتصادية في رأس الخيمة: «نقوم بمراقبتها بالتعاون مع دائرة البحث الجنائي في رأس الخيمة، حتى لا تتكرر فيها الممارسات التي كانت تحدث سابقا.
وقد استحدثت الدائرة العديد من الشروط لمزاولة هذا النشاط، ومنها الحصول على موافقة منطقة رأس الخيمة الطبية، ويجب أن يكون ممارس النشاط متخصص في التدليك، الى جانب ضرورة أن يكون الموقع واضحا وعلى الشارع العام، وبعيدا عن الأحياء السكنية، وأن يكون الموقع صالحا لممارسة النشاط من حيث التهوية الجيدة والمساحة.
والرقابة لا تشمل المكان وحسب وانما العاملين في المركز أيضا من حيث امتلاكهم للبطاقات الصحية والشهادات المعتمدة من منطقة رأس الخيمة الطبية، ويجب أن تكون هذه الشهادات واضحة للعيان، وأن توضع في ردهة الاستقبال.
كما يجب على إدارة المركز أن تحدد إذا كان التدليك للرجال أو النساء وألا تقوم النساء بتدليك الرجال وبالعكس، وبالنسبة لنا نحن نشجع المراكز التي تعمل في هذا المجال طالما هي ملتزمة بالشروط واللوائح التي تفرضها الدائرة عليها».
د. أمنية الأنصاري: يجب إخضاع هذه المراكز لرقابة وزارة الصحة
قد يكون لطرق المساج الخاطئة تأثيرات صحية خطيرة على الجسم سواء لمن يتمتعون بصحة جيدة أو حتى لأولئك الذين يعانون من أمراض في العمود الفقري أو الرقبة، ولتوضيح تأثيرات هذه الطرق التقينا الدكتورة أمنية الأنصاري، أخصائية العلاج الطبيعي في مستشفى ميدكير بدبي والتي قالت: «المساج هو عبارة عن تحريك لأنسجة الجسم لتحسين الدورة الدموية.
فضلاً عن انه يؤدي لإراحة العضلات والتخفيف من الضغوطات التي يعاني منها الجسم نتيجة العمل والقيادة، ولذلك فهو من الأمور الجيدة التي ننصح فيها لتخفيف الضغط».
وأضافت: بغض النظر عن السبب الذي يدعو أي شخص لزيارة هذه المراكز، يجب أن يكون المدلك على دراية بطرق المساج الصحيحة، وعليه أن يدرك تماما أين يضع أصابعه لأنه يتعامل مع أعصاب الجسم.
وبالتالي أية حركة خاطئة قد تسبب مشكلة صحية في الجسم، والمشكلة التي نواجهها أن مرتادي هذه المراكز لا يدركون أن هناك حالات لا يجب أن تخضع للمساج مثل وجود احمرار في الجلد، لأنه سيزيده، كما أن المدلك نفسه لا يعرف الفرق بين تيبس العضلة والتهابها، وبالتالي قد يزيد من هذا الالتهاب.
وقد سبق لي أن استقبلت حالات مرضية اجري لها المساج بطريقة خاطئة، فمثلا إحدى المريضات أصيبت بمرض فيلاعرق النسالالا نتيجة لقيام المدلكة بتحريك فقرات معينه أدت إلى الضغط على العصب، وفي حالة أخرى أصيبت الفتاة بكسل أو تنمل في يدها نتيجة لقيام المدلكة بالضغط على فقرات الرقبة.
وواصلت: لذلك عادة ما نطلب من أي شخص يريد أن يتوجه إلى المساج أن يستشير طبيبه في البداية، وأن يطلب منه توضيح المناطق التي يمكن للمدلك أن يعمل فيها حتى لا يقترب من فقرات الظهر أو الرقبة.
أما إذا كان الشخص يعاني من مشكلات صحية في الظهر أو الرقبة أو الأكتاف، فنحن لا ننصح بأن يتوجه إلى مثل هذه المراكز حتى يتجنب إصابته بأمراض هو في غنى عنها، ويمكن له في هذه الحالة استشارة أخصائي العلاج الطبيعي.
وطالبت د. الأنصاري وزارة الصحة بضرورة فرض رقابتها المباشرة على هذه المراكز وان تتعامل معها كالمستشفيات والمراكز الصحية، إلى جانب ضرورة أن يكون المدلك حاصل على رخصة لمزاولة المهنة مثل الأطباء كما هو الأمر في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، كما طالبتها بضرورة مراقبة الزيوت التي تستخدم في هذه المراكز والتحقق من صحتها ومصدرها وعدم وجود تأثيرات جانبية لها على الجسم.
ومن جهة أخرى، أكدت د. الأنصاري بأنه لا يوجد اختلاف جوهري بين أنواع المساج المختلفة (التايلندي والهندي والصيني وغيرها)، وإنما يكون الاختلاف فقط في نوعية الزيت المستخدم، ومن ناحية شدة المساج، وتنصح د. الأنصاري بضرورة الابتعاد عن المساج المؤلم حتى لا يسبب ذلك التهابات في العضلات، بالإضافة إلى ضرورة الابتعاد عن المفاصل والفقرات.
61 مخالفة لمراكز المساج العام الماضي
أشار حافظ غلوم حسين، رئيس قسم الرقابة الصحية في بلدية دبي إلى أن إدارته التي يعمل فيها نحو 17 مفتشاً من الجنسين، قد سجلت بحق مراكز المساج خلال العام الماضي 61 مخالفة بلغت قيمتها 95800 درهم، وتركزت على استخدام المركز كمكان لسكن الموظفين.
والقيام بأعمال الطبخ بداخله، إلى جانب عدم الالتزام بالبطاقات الصحية التي من المفترض أن يحملها كل من يعمل في المركز، وأكد بأنه في حالة اكتشاف مخالفة في إحدى هذه المراكز تقوم إدارته بإنذار إدارة المركز ومن ثم تفرض عليه غرامة مالية بقيمة 300 درهم.
غسان خروب



