حاولت مراراً تقليب صفحات الكلمات التي تتدفق على مسامعها يومياً، من إحدى قريباتها.. فيما يُشبه الثناء على منصبها الوظيفي.. والراتب والسيارة، وتفاصيل رفاهية أخرى كانت الوظيفة سبباً فيها. حتى أصبحت لا تناديها سوى حضرة المديرة، من باب التحبب إليها والثناء على جهدها.. وكأن المديرة كائن حل على سطح الأرض من كوكب آخر.
محاولات التفسير تلك مرت بنفق مظلم تساوت فيه النفوس الخيرة والشريرة، وكانت جميع النوايا تحت الاختبار.
تبدو عبارات الثناء في ظاهرها قولا حميدا، ومحببا.. وسماعها بشكل دائم موضع تقدير من المثني عليه.. ولكن يبدو تكرارها موضع شك. والمبالغة في قولها تبوح بأسرار نفوس قائليها. الخوض في تفاصيل حديث مر على الأسماع واسترجاعه يبدو للبعض وسوسة، وللبعض الآخر حيطة وحذر، وبين الاثنين مؤكد هناك وجهة نظر.
يُقال إن النفس البشرية لا يمكنها كتمان انفعالاتها وهواجسها وانطباعاها بشكل كلي، وإن حاولت إخفاءها بالحديث، فإن شيئاً ما يظهر في السلوك تجاه الآخرين، أو ما يُصنف بحسب علم الاتصال بالتواصل غير الشفهي، أي الحركي، في العيون الصامتة، أو الحركات الجسدية والسلوكيات الناطقة بألف تفسير وتفسير.
مرة أخرى.. الحسد يختبئ في صور مختلفة، وتعابير لا يمكن حصرها، إلا بعد نيلها من المحسود وتضرره.
في اللغة الحسد فعل مقرون بتمني زوال نعمة الغير وانتقالها للحاسد، وبالرغم من صعوبة حصر أسبابه، فإنه يختبئ خلف الخوف والغيرة وخبث النفس وشحها من الخير تجاه البعض ممن أسبغ عليهم نعماً كالجمال والذكاء والمال.
فلا تزال تجارب المحسودين من أصحاب النعم موضع تداول بين مؤيد ومشكك في صدقها.
ولكن من قد لا يستحقون الحسد.. وتطالهم معاول الأذى، هم المجتهدون في تحصيل رزقهم.. الصابرون، من يواجهون معارك الحياة بسيف الابتسامة وبارود النفس الراضية.. فكما يقول المثل المحلي «حاسدين الفقير موتة الجمعه».. لم يلق المسكين نعيم الدنيا، فحسدوه على ثواب الآخرة.
لا يدرك من يمارس فعل الحسد بأنه يكتسب معه صفاتاً أخرى تؤذيه والآخرين على حدٍ سواء، فمن يحسد.. يحقد، ومن يحقد لا بد أن يكدر صفاء النفس البشرية بسواد قد يرافقه حتى يودع الحياة، حيث قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصفه للحاسد «الحاسد مغتاظٌ على من لا ذنب له»، ويصف الحسد بأنه داءٌ منصفٌ، يفعل في الحاسد أكثر من فعله بالمحسود.
أيها الصابرون من أصحاب النعم المحسودة، لا تقلقوا، فالحسد فعل ينتقم من صاحبه، يقول أحد الحكماء تُصيب الحاسد خمس عقوباتٍ قبل أن يصل حسده إلى المحسود، تبدأ بالغم والمصيبة التي لا يؤجر عليها، والمذمة التي تأتيه من الآخرين وسخط الرب لاقترافه الأذى بحقهم، وخامسها إغلاق باب التوفيق.
لا يبدو الحاسد على يقين بفعله، فحين يُصبح الفعل ممارسة جماعية، يصعب تصنيفه ضمن السلوكيات الخاطئة، فالجلسة تبدأ عادةً بأحاديث هامسة، وثرثرة تنتهي بنميمة، وثم إلى حسد يودي بأصحاب النعم المرئية وغير المرئية، لا يمكن محو أثره ولو بعد حين.
همسة
مرة أخرى.. للحسد وجوه وعيون وأياد خفية، تندس في تفاصيل الحديث والصمت، ويُقال إن الشيطان يكمن في التفاصيل، فإن الحسد فعل شيطاني يفتك بأصحابه قبل أهدافه.
