لم يخل بيتي الصغير يوما من الأصدقاء والصديقات، كانوا يجدون في بيتي ملاذا يتحررون به من ضغوط الوظيفة اليومية، ومن ضوضاء الأماكن العامة فيما لو التقوا فيها بعد يوم حافل بالضجيج والتوتر.

كنت أدللهم بروح السعادة الحقيقية بتجمعهم، وكنت كلما زاد عددهم أغدق عليهم اهتماما أكثر فتفيض سعادتي أكثر. كنت اعمل بوظيفة مجدية، وكنت مثلهم أعود من عملي في الوقت نفسه، لكن لم تكن لي ارتباطات ولا التزامات اجتماعية مثلهم، نظرا لوجود أهلي في بلدي، بينما أقيم مع ولدي الشاب فقط، حيث يقتضي عمله ساعات أطول، تمتد إلى ساعات المساء.

فكانت سلواي في وجودهم حولي، تدفعني لابتكار وسائل مختلفة وجاذبة لاستبقائهم لفترات أطول. كنت أشجعهم على طلب طعامهم المفضل فأحضره في اليوم التالي. كنت أتحمس لزيارة أي مكان فنترافق إليه.. مسرح سينما منتجع حديقة الخ، فإني خير رفيق في الحل والترحال. أحثهم على رياضة المشي، علما أني تجاوزت الستين من عمري، بينما تتراوح أعمارهن بين منتصف عقد الأربعين وما دون ذلك.

ومع بلوغي سن الإحالة إلى المعاش، زاد حرصي على استبقاء الأصدقاء والاحتفاظ بهم لأطول فترة ممكنة. لم احتمل فكرة عودتي إلى دياري بعدما تم إنهاء خدماتي، وأخذت الغصة تتعلق بروحي كلما راودتني فكرة المغادرة، فأخذت ابتكر احتيالات عديدة تمكنني من البقاء ولو لأطول مدة ممكنة إن لم يكن للأبد.

صرت لا أطيق ساعات النهار في بيتي أيام العمل الرسمي حيث كل في عمله، بينما أتواكل وحيدة في منزلي تلتهمني وحشة البطالة المفاجئة، وإذ توشك أن تجهز عليّ، حتى أجدهم يتوافدون إلى بيتي الضيق، واحدهم تلو الآخر، أما الصديقات فغالبا كن يأتين فرادى ثم صرن يصطحبن صديقات أخريات. وأخذت دائرة التعارف تتسع، وشبكة العلاقات تكبر، وكل فترة قصيرة ينضم إلينا صديق من أصدقاء ابني أو صديقة لإحدى صديقاتي.

هكذا كانوا يجتمعون في بيتي وهم يغتبطون بروح الحميمية التي يغمرهم بها هذا البيت المتواضع الصغير الأنيق مرددين (البيت ضيق ويسع مئة صديّق). هكذا كانوا ينظرون لبيتي ولحفاوة محبتي، فقد كنت أنا الأخرى ألوذ بهم جميعا من غربتي الطويلة ووحدتي، ومن ثم بطالتي. لم اشعر بأي نقص مادي، ولم يتغير نظام حياتي إلا بمزاولة الطبخ اليومي لأعد أطباقا مختلفة يشاركني وابني بالتهامها كل مساء.. ضيوفي الأصدقاء.

لم يتخل احدهم عن مساندتي، ولم يكن يأتي أي منهم خالي اليدين، لكن هي كانت الأكثر كرما، كانت لديها حاسة سابعة تعرف بها النواقص والاحتياجات قبل أن أفكر أنا فيها، وحتى قبل أن أكتشفها. كانت على وشك الزواج بمن اختارها قلبه وكذلك فعل قلبها، حين طرأت لي فكرة زينها لي القلق من فقد كرمها، أو ربما لحظة شيطانية. اصطحبتني في مهمة طارئة خارج المدينة لكوني بلا عمل، وهذه المشاوير نعمة تضفيها علي، خاصة إذا تضمنها مبيت ليلة في أحد الفنادق الفخمة.

كنت رتبت لزوج المستقبل في غيابنا فرصة تعارف بفتاة حسناء عرفت بأنها سهلة المنال. فكان ذلك الترتيب آخر عهدي بتلك الصديقة، وبجملة الأصدقاء، وبذلك البيت الضيق الذي يسع مئة (صديّق).

أمنية ـ عربية