كل عائلتي تفخر بتفوقي، فقد كنت حقا مغرمة بالدراسة، وذلك لأحقق طموحي بنيل الدرجة العلمية التي أرتضيها لمستقبلي المهني. كنت على مشارف الانتهاء من السنة قبل الأخيرة، واخطط لاستكمال التعليم العالي.. الماجستير والدكتوراه، وهذان لا يتوفران لكثر، خاصة في بلد فقير.

كانت حياتي طبيعية أقضيها، بين الدراسة والأسرة، وزميلات الدراسة في الحرم الجامعي، وأحيانا التقاء صديقتي المقربة في بيتنا إذا توفر لي وقت بعد المراجعة.

لم أشعر قط أن صديقتي تلك تضمر لي مشاعر مغرضة، ولم يخطر ببالي قط أن التفوق مثار غيرة أحد، لأنه أولاً وأخيرا حصيلة الجد والاجتهاد في الاستذكار، وأعتقد بأن كل طالب وطالبة ومنهم صديقتي يفعلون ذلك، لأنه ديدن أي طالب في أي كلية أو جامعة في العالم.

ذات يوم تغيب لأمر طارئ الأستاذ المحاضر، ولم يشغل وقت محاضرته التي تستغرق ساعتين احد، فاقترحت الصديقة أن نستغل تلك الفرصة المفاجئة والخروج قليلا إلى أحد المقاهي القريبة لاحتساء الشاي، بدلا من التسكع في فناء الجامعة حتى المحاضرة المقبلة، ترددت كثيرا، فالساعتان بالنسبة لي هما فرصة ذهبية للتحضير والاستذكار.

لكن الصديقة ألحت كثيرا مؤنبة إياي على كوني احرمها من فسحة للترويح، امتثلت على مضض، وكان قد مضى نصف ساعة من ساعتي الفراغ في محاولة إقناعي.

كانت الصديقة قد رتبت للأمر فما إن وصلنا بوابة الخروج حتى كانت سيارة تنتظرنا، تقدمت الصديقة بثقة تعرفني بأصدقائها، وأمام توتري أكدت بأنهما صديقاها من دولة عربية، وسيصطحباننا إلى المقهى القريب ثم يعيدانا للجامعة عند موعد المحاضرة التالية.

لكن المقهى لم يكن سوى فيلا فخمة يشغلها مجموعة من الشباب، وبمجرد وصولنا أغلقت علي الأبواب، وأنكرت الصديقة معرفتها بي بعدما سلمتني للذئاب وقبضت الثمن.

تناهشوني وهم كثرة بينما شلتني المباغتة والصدمة، فخارت قواي من المقاومة غير المتكافئة. حلت بي الكارثة وبعائلتي التي تنتظر فرحة الإنجاز القريب، ليتباهوا بي وبتخصصي. أظلمت حياتي ولم أستطع البوح لأي من والدي، فأبي مصاب بمرض في القلب، بينما تعاني أمي أعراض الضغط والسكر، ومصيبة كهذه بالتأكيد ستجهز عليهما معا.

ابتلعت مصيبتي، وشارف عقلي على الزوال، وتراجعت معدلاتي، وتعجب أساتذتي، واستغرب أهلي من حالي، ومن تراجع مستوى دراستي المفاجئ وأنا الحريصة على التميز والتفوق، وأخيرا لم يجدوا تبريرا يسكن قلقهم ويجيب عن أسئلتهم الصامتة والمعلنة سوى أني أصبت بالعين، أو أعياني الإجهاد من المذاكرة المتواصلة.

هجرت الجامعة، وانصرفت عن حضور المحاضرات، وأدمنت السهر السري، بحجة المذاكرة لاستعادة معدلاتي، بينما معدلاتي تهوي إلى الصفر. فقدت اتزاني تماما، ولم أجرؤ على البوح لأحد، وأخذت نفسي تسول لي الانتقام، ولم أقو إلا بالانتقام من نفسي والتيه مع الغرباء.

وفي أحد الأيام وأنا في حالة انهيار حكيت قصتي لأحدهم، وكان من بلد أولئك الأوغاد، وكأن الله وضع الرحمة في قلبه لي، فحاول التكفير عنهم، وقدم لي بيتا وتحته مكتبة لأعتاش منها، وذهب بعدما اطمأن بأن وضعي الجديد سيشجع أي رجل للاقتران بي، من دون أن يدقق كثيرا في ذلك الأمر، طالبا مني نسيانه تماما.

خديجة. م. ح