تقول الأسطورة القديمة ان البرق هو ومضات عيون البشر. ذلك الألق الذي يظهر في عيون المبتهجين والعشاق والمتأثرين، في لحظات ويختفي.

تقول الأسطورة، ان كل ومضة تختزن حكاية، والطبيعة، تلتقط تلك الومضات وتخزّنها في مكان ما، لتعيد إطلاقها في احتفاء مهيب وطقس تشترك فيه الأمطار والرياح، فتنتشر حكايات الناس في الأرض، وتنثر بعيدا عن أمكنتها الحقيقية وأزمنتها الواقعية، وبذلك تكتمل الديمومة وتتحقق.

هذه خرافة نقضتها الأديان، كما العلم، وتحولت إلى قصة متخيلة. نتخيلها ونحن نتأمل في (برج خليفة) الذي احتفل العالم به قبل أيام، بوصفه الانجاز العمراني البشري الأعلى من نوعه. ألسنا نصف هذا الانجاز ب(الأسطوري)؟ أليست العزيمة، حين تقارب حد الخيال، تصبح ضربا من ضروب الأسطورة؟ لكنها إرادة مدينة رسمت نهج التفرد باكرا، فكانت، في محيطها والعالم، إشعاعا مليئا بالطاقة والحرارة، تماما كما هو البرق.

في تلك اللحظة التاريخية، التي أعلن فيها عن اسم البرج، وانطلقت ألوان النار تضيء وجه السماء وتبثها الكاميرات إلى الدنيا.. في تلك اللحظة التي فغرت فيها الأفواه، وارتفعت الصيحات، وتطايرت علامات الذهول والاستفهام من كل قواميس لغات العالم.. وضمت آلاف العيون.

في أجزاء من الثانية، لمعت الحدقات، واتسعت، وظهر فيها ذلك البريق الذي نعرفه جيدا في دبي. ذلك السائل الذي يغمر العينين حين يمشي المتر» حاملا حكايات الفرح بالحداثة ويسر التنقل.

حين ترتفع الجسور ليصير اللقاء أسهل، بين الناس والثقافات والدول. حين تصدح موسيقى الغرب والشرق على المسارح، ويروي الحكاؤون قصصهم المصورة على شاشات المهرجانات. حين الوظيفة تأتي ثمارها، والطموح يتحقق.

حين يأتينا الزوار فيطوفون في دنيا العجب، ونفرغ حقائب الحنين والهدايا التي أتوا بها، لنعيد ملئها بالحكايات والذكريات وأكوام الصور والألبومات التي ستدهش الجار والصديق والعائلة في الوطن.. نعرف جيدا ذلك السائل الذي غشى العيون في تلك اللحظة، التي تسربت فيها الومضات إلى أعلى البرج، قمته، سماؤه، لكي تتكتل وتتشكل وتعود إلينا بعد أيام.

نتخيل الحكاية، ونحن نتأمل في السارية التي تلقط طرف البرق، كما فعلت طائرة الورق التي أطلقها العالم الألماني فرانكلين في السماء قبل 350 عاما، لكي يكتشف سر البرق، ويفك الأحاجي والأساطير. طائرة العقل والانجاز لا تزال عالقة في السماء، هناك في أعلى (برج خليفة) تكمل تواصلها مع الشعاع الكهربائي العجيب. طائرة فرانكلين، المزدانة بالألوان، تلعب في أعلى البرج مع خط البرق الذي، كشريان حياة، كمجرى نهر، كطريق مليء بالتحدي والصعاب، كدخان مدخنة قوطية أسطورية.. يرسم صورا مهيبة في السماء.

الناس احتفوا كل على طريقته، في أسفل (برج خليفة) قبل أيام.

الطبيعة احتفت، على طريقتها، فوق البرج أول أمس.. فحضر الجمال والخيال والتأمل.

دبي ـ إبراهيم توتونجي

تصوير : عماد علاء الدين