تزوجته قبل ثلاثة عقود، بعدما أقنعها أن زوجته الأولى مريضة، وأنهما منفصلان تماماً، لتكتشف بعد الزواج أنه كاذب، وأن زوجته الأولى بصحة جيدة، ولها منه عدد من الأبناء ذكوراً وإناثاً.

ابتلعت الطعم وسكتت رغماً عنها، فقد وقعت الفأس في الرأس، لكنها اكتشفت كذبة أخرى، فقد أوهمها أن وضعه المادي جيد، وتبين أنه في وضع سيئ، فشمرت عن ساعديها وبدأت في العمل، وبما أنها غير متعلمة اختارت أن تعمل في تجارة الخضار.

كثيراً ما كنت أصادفها في السوق، تعلن عن بضاعتها وتزن الخضار، ودائماً كانت تبتسم، وكلما اشتريت منها شيئاً كانت ترفض أخذ ثمنه، حتى هددتها بعدم الشراء منها.

كانت تغيب عن سوق الخضار لفترات قليلة، عندما تنجب ولداً أو بنتاً، ثم تعود للسوق من جديد، عندما استطاعت ادخار مبلغ جيد من عملها، اشترت لزوجها سيارة ليعمل عليها، لكنه كان متخصصاً في اتلاف كل شيء، فسرعان ما صدمها في حادث نجا منه بصعوبة.

لم تيأس، وظلت تعمل في السوق وتدخر المال، إلى أن كبر أبنائها، فاشترت لاثنين منهما سيارات يعملان عليها، وبنت بيتاً يضم الأسرة، ورغم أن ضرتها ماتت، إلا أنها كانت تعامل أبناء زوجها معاملة حسنة.

اثنتان من بناتها تخرجتا من الجامعة، إحداهما تزوجت وناجحة في عملها، والثانية ما زالت تبحث عن عمل، اعتقدت أن الدنيا ابتسمت لها، وأن همومها قد انتهت، لتفاجأ قبل أشهر بأن زوجها قد تزوج من أمرأة في عمر أصغر بناته، ثم يطردها وأبناءها الصغار من البيت الذي شيدته طوبة اثر أخرى، وعندما رفضت واحتجت ضربها وضرب أحد أبنائه الذي حاول الوقوف في وجهه، فكسر يده وسال الدم من وجه الابن ومن فمه، بعد أن قام الأب بكسر أسنانه.

حاولت إسعافه، إلا أنه عاد وانهال عليها بالضرب، وأثناء خروجها من البيت اصطدمت يدها بطرف الباب الحديدي، لكنها لم تنتبه لذلك.

رافقت ابنها إلى المستشفى، وبعد أن قام الطبيب بتجبير يده المكسورة ومعالجة نزف الدم من أسنانه عادا إلى البيت، لكنها وجدت أغراضها في الشارع فحملتها بمساعدة أبنائها وذهبت لتسكن في بيت آخر في القرية، كان صاحبه قد انتقل منه إلى بيت جديد.

أثناء ذلك كانت تتألم من يدها، فتستعمل بعض الوصفات الشعبية لمداواتها، ولاحظت وجود بقعة كبيرة حمراء تميل إلى الزرقة، وبما أنها تعاني من مرض السكري، وجد الطبيب أن ذراعها قد تلفت، فالجرح تسمم والتهب وأصيبت الذراع بالغرغرينا ولا بد من بترها.

افتقدت وجودها في سوق الخضار، فعلمت أنها مريضة ولا تستطيع العمل. صادفتها يوما في عيادة مرضى السكري التي أتردد عليها مرة في الشهر، استقبلتني بابتسامتها المرحة، واحتضنتني بيدها الوحيدة، حاولت إضفاء جو من المرح على اللقاء، فسألتها متى سنراك في سوق الخضار؟

لقد اشتقت لبضاعتك الطازجة، وكأنني بذلك كشطت الجرح فتدفقت أحزانها، وحدثتني عن مسيرة حياتها التي عاشتها معه، وكانت أشبه بالجحيم. لكنها اليوم عاجزة عن الوقوف في سوق الخضار والعمل، فمرض السكري بدأ يؤثر على عينيها وصحتها بشكل عام.

سألتني هل أرفع عليه قضية؟ فسألتها إن كان طلقها فنفت ذلك، وسألتها إن كان لديها أي وثائق تثبت ملكيتها للبيت أو لأي شيء، فقالت.. لا.

ثريا ـ مصر