استقبلته الجمال في وسط الصحراء بنظرة إعجاب نحو قدميه اللتين قطعتا سيراً مسافة تزيد على 550 كيلومتراً في الربع الخالي.
وكانت لحظة استراحة يلتقط فيها الشاب الإماراتي جلال جمال بن ثنية أنفاسه، تلك التي جمعته مع الجمال ليربت عليها وهي تحييه باستغراب تجاه قدمين جاءتا إلى هذه البقعة القاسية لتشاركها مهنتها الأساسية. ونظرة الإعجاب من الجمال رافقها أيضا شكر على مهمته الانسانية التي جاءت به إلى هنا. فقد كان جلال بن ثنية د بدأ رحلته ماشيا من دبي يوم 26 من الشهر الماضي، من منطقة الجميرا وتحديدا من امام مركز سنس سنتر (senses center) المتخصص بتعليم المعاقين من كل الاعمار، لأن رحلته تلك، كانت في الأساس من أجلهم ، وكان الهدف منها جمع التبرعات للمركز، وليسلط الضوء على المعاقين، الذين يعيشون في معظم الاحيان في ظل المجتمع ولا ينخرطون فيه بشكل مباشر كغيرهم من الافراد، إضافة الى هدف نشر الوعي بين الناس لخدمة المعاقين والتضامن معهم، وكذلك من أجل تعزيز الهوية الاماراتية، والتواصل بين الامارات والعالم.
وكانت «البيان» انفردت قبل ثلاثة اسابيع بنشر ما يخطط له جلال، حيث نقلت عدداً من وكالات الأنباء ومحطات التلفزة العالمية القصة عن «البيان»، اذ ذكر فيها انه ينوي قطع صحراء الربع الخالي مشياً في 20 يوماً قبل أن تبدأ دراسته الجامعية، فهو يبلغ من العمر 23 عاماً فقط، وبعزيمة تفوق عمره بكثير أنجز المهمة في 14 يوماً وعاد الى دبي ، محققاً حلمه الذي يصفه بأنه « رغم كونه اصعب عمل قمت به في حياتي، إلا انه اعظم واجمل عمل قمت به الى الآن». ونتج عن تلك الحملة الاعلامية صدى واسعاً، حيث كان في وداعه عند مركز المعاقين، كل اطفال المركز الذين وقفوا لتحيته ووداعه بامتنان لمهمته الفريدة ، كما مشى معه شخصان احدهما اندونيسي الجنسية والآخر بريطاني الجنسية، انطلقوا معه من دبي الى جبل علي، كدعم معنوي لمهمته الانسانية، ثم لحقا به بعد عدة أيام بسياراتهم، ومشيا معه لمدة يومين وعادا من جديد، ولحقه ايضا شابان اماراتيان من اصدقائه، مشيا معه لمسافة 6 كيلومترات تقريبا وزوداه بالإمدادات والأطعمة.
ولم يترك جلال شيئا للتكهنات، فكان يحمل معه طوال الوقت جهازا مربوطا بالاقمار الصناعية ، يمكن من خلاله تتبع مسير جلال لحظة بلحظة ويوما بيوم عبر موقعه الالكترونيزhttp://www.binthaneya.comس وهكذا كان أصدقاؤه يعرفون مكانه باستمرار ويأتون اليه بالاطعمة والمياه، كما كان يحمل معه خرائط الكترونية واجهزة حديثة للاستدلال على المواقع وأيضا حساب المسافات، مشيرا الى انه لولا تلك الاجهزة لما تمكن من التخطيط السليم للرحلة ولكانت هناك امكانية كبيرة لضياعه في الصحراء، مؤكدا في الوقت ذاته ان التخطيط السليم واستخدام الادوات الصحيحة من شأنه ان ينجح أي عمل. ولا يعرف جمال مجموع التبرعات التي وصلت للمركز نتيجة لحملته، اذ لا يريد أن يشوب مهمته أي شك من أي شخص، لذلك فهو لا يتقبل على الإطلاق أي تبرعات وانما يطلب ممن يزورون موقعه او يتصلون به ان يتبرعوا للمركز مباشرة، دون ان تكون له اي علاقة بذلك.
ولم تخل رحلة بن ثنية من قصص وحكايات على مدار 14 يوما قضى منها 6 أيام في ظلام دامس، حيث لا ضوء على الاطلاق في قلب الصحراء سوى مصباح صغير في يده، يتمكن بواسطته من رؤية الطريق امامه، اذ في ظل ذلك الظلام الحالك يروي جلال دخوله عن طريق الخطأ الى مجمع عسكري ويقول: « ظننت الضوء القادم منه هو السائق الذي كان يرافقني والتقي معه كل 15 إلى 20 مترا يحمل لي العتاد والمأكولات ، لكنني فوجئت بأحد أفراد الجيش يسألني باستغراب شديد ما الذي افعله في ذلك المكان المقطوع، وعندما اخبرته بمهمتي اعطاني ماء وتمنى لي التوفيق».
مشيرا الى ان رجال الشرطة والجيش استوقفوه عدة مرات ليسألوه باستغراب شديد عن سبب تواجده في تلك المنطقة، مؤكدا انهم كانوا غاية في التعاون والانسانية وقدموا له ايضا بعض الاطعمة والمياه.
شعور عارم بالسعادة شعر به عندما كان الاهالي يلوحون له من بعيد خلال مسيره من دبي الى ابوظبي، قبل الدخول في المناطق الصحراوية غير المأهولة ويقول: «شعرت بالتشجيع ودعم الناس الذين عرفوني بعد أن شاهدوني في الجرائد والتلفزيون، كان تشجيعهم يزيدني مسؤولية وعزما».
ليس التخطيط التقني وحده مهما لرحلة كتلك، هذا ما يؤكده جلال، اذ يشير الى اهمية الوعي بطاقة الجسم، ومدى تحمله كي لا يصاب باعياء او انتكاسة فجائية، كما تجب مراقبة نوعية الطعام، فهو طوال الرحلة كان يتناول الفاكهة، والاغذية المعلبة، والشوفان،وعلب البروتين، والمكسرات، والتمر، كي تمده بالطاقة.
وفي ذات الوقت يجب أن لا تكون وجبات ثقيلة تصيبه بالخمول والتعب، إلا انه في منتصف الرحلة تعرض لتسمم غذائي حين اشترى سائقه طعاما من احد المطاعم على الطريق، وظل يعاني اربعة أيام من اعياء شديد لكنه واصل المسير، اذ قلّت مسافة المشي خلال مرضه ووصلت الى السير يوميا لمسافة 40 كيلو متراً.
وكان جلال مشى في اليوم الاول لرحلته 80 كيلو متراً ، حيث وصل الى ابوظبي عند منتصف الليل وبات في احدى محطات البترول، ثم واصل المسير في اليوم الثاني وقطع 75 كيلومترا وكذلك في الثالث، ثم نزل معدل الكيلومترات نتيجة إصابته بالتسمم، وعاد بعدها للمشي مسافة 50 كيلومتراً يومياً حتى انتهاء الرحلة، مشيرا الى ان الايام الاولى كان المسير فيها اسرع لأنها كانت في المدن وعلى الطرقات، اما في قلب الصحراء فالمسير يكون اصعب، ويتطلب حذراً.
شعر بن ثنية بشيء من الحرية فور بعده عن المدينة، ويقول: « شعرت بشيء مختلف وكأني عدت لحياة الاجداد البسيطة البعيدة كل البعد عن المدنية والتكلّف». وبعد انجازه هذا يسعى جلال ليكون أول من يصعد برج خليفة ، من اجل ذات الهدف النبيل، وهو بانتظار موافقة اعمار على صعوده البرج، ويؤكد انه على اهبة الاستعداد لصعود البرج اليوم، اذا ما جاءته الموافقة.
« اتمنى ان يقوم كل اماراتي بعمل مماثل، لأن مواجهة التحديات لا يمكن انتظاره فهو لا يأتي وانما يتم صنعه»، هكذا ختم جلال بن ثنية حديثه قبل ان يغادر «البيان» في طريقه للحصول على موافقة لصعود سلالم برج خليفة.
* جلال لـ «البيان»: شعرت بالحرية وما قمت به كان أعظم وأجمل عمل في حياتي
* 6 أيام وسط ظلام دامس في قلب الصحراء والشرطة والجيش استوقفوني أكثر من مرة
* تسمم غذائي من وجبة أحد المطاعم على الطريق أعاقه قليلاً وحفزته قناعته بأن التحديات لا تنتظر
فادية هاني



