حال عمال غسيل السيارات الذين يجتهدون في تلميع سيارات الزبائن ليحافظوا عليهم، لا نبالغ حينما نقول إن هذه المهنة تدر عليهم ثلاثة أضعاف رواتبهم الشهرية، علما بأن الكثير منهم يمارسها بعيدا عن عيون الرقابة التي تفرض عليهم في حال ضبطهم غرامات «ضخمة» يحتاج الواحد منهم للعمل شهورا عدة لتسديدها.

ورغم ما فيها من قصص إنسانية إلا أنها باتت مهنة سهلة قد تربى بين تربتها جذور العمالة المخالفة التي تهدد أمن السكان، خاصة وأن أصحاب السيارات لا يكلفون أنفسهم بسؤال هؤلاء عن أوراقهم الثبوتية، ويكتفون بما يقدمونه من خدمات تنظيف لهم، وهو ما جعل من فئة عمال غسيل السيارات في المواقف ظاهرة تستفحل في معظم إمارات الدولة رغم القرارات وعيون الرقابة التي تمنع ذلك. رواتب ضئيلة «البيان» تواجدت ليلاً بين الأحياء السكانية وتحديدا في الساحات الترابية التي تضم بين حدودها عشرات السيارات، حيث التقينا فيها مع هؤلاء العمال الذين بدوا خائفين للوهلة الأولى عندما اقتربنا منهم، البداية كانت مع محمد طالب الذي قال:

وصلت إلى الإمارات قبل أربع سنوات لم أسافر خلالها سوى مرة واحدة إلى بلدي، أعمل حالياً في إحدى شركات التنظيف المسؤولة عن البنايات براتب شهري قدره 500 درهم فقط لا أعرف كيف أوزعها بيني وبين أسرتي التي تتكون من زوجة وطفلين بالإضافة لأبي وأمي.

ولذلك أعمل في هذه المهنة بجانب مهنتي الأصلية لأحاول رفع دخلي الشهري. ويضيف محمد: عادة أبدأ بغسيل السيارات بعد الساعة العاشرة ليلاً وانتهي منها الساعة الثانية عشرة وأحيانا انتهي الساعة الثانية بعد منتصف الليل خاصة في نهاية الأسبوع، حيث يتأخر زبائني بالعودة إلى بيوتهم، وما لا أنجزه في الليل أقوم بإنجازه سريعا في الصباح قبل الساعة السابعة حيث يبدأ دوامي في الشركة.

أما عن الرقابة عليهم فيقول محمد: في الليل لا توجد رقابة، ولكن في بعض الأحيان يستوقفنا رجال التحريات، حيث يسألون عن بطاقاتنا وأوراقنا الثبوتية، وإذا كان العامل مخالفا يصطحبونه معهم، أما إذا كان وجوده شرعيا فيتركونه، وبعض العمال خاصة المخالفين يهربون بمجرد اقتراب أي شخص لا يعرفونه، فهم يخافون أن يكون من رجال التحريات.

أما سيف الدين خان، عامل آخر يمتهن غسيل السيارات فيقول: اعمل في هذه المهنة منذ سنوات وأمارسها في الليل حيث يكون لدي وقت فراغ طويل، فهي ترفع من دخلي الشهري الذي لا يتجاوز ال 600 درهم، وأصبحت على علاقة جيدة مع أصحاب السيارات.

ويؤكد سيف انه لم يسبق له أن وقع بخلاف مع العمال الآخرين، فكل واحد منهم يعرف سياراته، ولا يحاول أن يتعدى على حصة الآخرين، وأشار إلى أن هناك الكثير من العمال الذين يسألونه ورفاقه عن إمكانية العمل في هذه المهنة.

وفي بعض الأحيان يحصلون على جزء من السيارات، وأحيانا كثيرة لا، وحول مدى موافقة السكان على غسيل سياراتهم، قال سيف: «اعتقد أنها تبقى أوفر بكثير من المغاسل الأوتوماتيكية، فالزبون يدفع 100 درهم أو أقل شهريا لتنظيف سيارته بشكل شبه يومي، وهذا أوفر بالتأكيد، وهناك بعض الزبائن يهتمون جدا بنظافة سياراتهم من الخارج، وهذه الخدمة توفر لهم ذلك».

على الرغم مما يقدمه هؤلاء العمال من خدمة للسكان، إلا أن ذلك لم يعفهم من الوقوع في المساومة، بعض هؤلاء العمال يقبل بالسعر الذي يفرضه الزبون عليه خاصة عندما يكون محتاجا لهذه الدراهم، والبعض الآخر لا يقبل بذلك حتى لا يكون عرضه لمساومة أصحاب السيارات الآخرين.

يقول مجيب أرشد: في بداية عملي كنت محتاجا للنقود فراتبي لا يتجاوز 500 درهم، وهو ما جعلني اقبل بأي سعر يحدده صاحب السيارة، وبعضهم دفع لي اقل من خمسين درهما، ولكن أحاول تعويضها من زبائن آخرين يدفعون جيدا، خاصة إذا كانت سياراتهم من الأنواع الغالية، وأضاف: لقد تعلمت الكثير في هذه المهنة، وقبل تحديد السعر أقوم بمعاينة حجم السيارة وبناءً عليه احدد السعر ولكن عموما فهو لا يزيد على 150 درهما للسيارة الواحدة إذا كانت كبيرة.

ارخص وأوفر

أصحاب السيارات يقبلون على هؤلاء بشراهة فهم يوفرون لهم الخدمة الجيدة مقابل دفعهم لدراهم معدودة في نهاية كل شهر، وهو ما يجعلهم يغضون البصر عنهم غير عابئين بالقرارات التي تمنع ذلك، وبعضهم ينظر للموضوع من زاوية «كسب الرزق».

يقول إسماعيل الشافعي: ينتشر غسيل السيارات في أغلب مواقف السيارات سواء بالشوارع أو داخل المراكز التجارية، وهناك كثيرون من أصحاب السيارات يلجئون إلى هؤلاء العمال لغسيل سياراتهم لأنها رخيصة جدا مقارنة مع المغاسل الأوتوماتيكية، فسعر غسيل السيارات في الشوارع لا يتجاوز 10 دراهم، في حين يصل إلى 3 أضعاف في محطات تعبئة الوقود، كما أن بعض العمال يتقنون غسيل السيارات، بحيث لا يختلف تنظيفهم عن تنظيف المحطات المتخصصة.

وأضاف: بالنسبة لي أصبحت أفضل منح سيارتي لأحد هؤلاء العمال، لأن ذلك سيبقي سيارتي نظيفة طوال الوقت، فضلا عن انه يغنيني عن التوجه إلى المغاسل الأوتوماتيكية والانتظار في الطابور لمدة طويلة.

أما عمر رمضان فقال: منذ فترة طويلة وأنا أوكل حارس البناية بتنظيف سيارتي، وقد وجدته يحافظ عليها بشدة، فضلا عن أنه أوفر بكثير من المغاسل الأوتوماتيكية سواء في محطات البترول أو خارجها، فقيمة غسيل السيارة في محطات غسيل السيارات أو محطات البترول يصل إلى 45 درهما إذا أردت غسيل السيارة بالكامل و30 درهما للسيارة من الخارج فقط، والمشكلة أن هناك الكثير من المحطات لا يتوفر فيها مغاسل الأمر الذي يضطرني للبحث عنها في مناطق أبعد.

ومن جهته قال جميل سالم: أفضل إعطاء سيارتي لأحد هؤلاء العمال، وذلك لعدة أسباب أولها إنهم أرخص من المغاسل، وثانيا أنني أضمن نظافة سيارتي طوال الوقت، بالإضافة إلى أنه يوفر علي مشقة التوجه إلى محطات البترول والوقوف طويلا هناك، فمثل هؤلاء العمال يقومون بغسل السيارات ليلاً، والكميات التي يهدرونها قليلة جدا مقارنة مع المهدورة في مغاسل السيارات الأوتوماتيكية.

مهنة على الرصيف

حكايات كثيرة تقف وراءهم، جميعهم يبحثون عن لقمة العيش لدرجة أن بعضهم قد يخالف القانون لأجلها، فما تكاد الساعة تدق العاشرة ليلا وما بعد حتى تجدهم ينتشرون بين تكدس السيارات الواقفة بين البنايات السكنية، كل واحد منهم يحمل دلوه وخرقته ليبدأ رحلة البحث عن السيارات التي تقع ضمن حصته زادت أو قلت، بعضهم يستمر في عمله حتى الثانية بعد منتصف الليل أو قبل ذلك بقليل، ولكن في كل الأحوال لا يحاول أحد منهم الاعتداء على حصة وزبائن الآخر.

غسان خروب