التقينا مصادفة بعد سنوات طويلة من الفراق، قص لي حكايته التي تبحث عن معتبر قال انه فشل في العثور على فرصة عمل في بلاده نظراً لكثافة عدد الحاصلين على مؤهله وهو بكالوريوس التجارة فاستضافه شقيقه الذي يعمل طبيباً بإحدى دول أميركا اللاتينية أرسل له تأشيرة زيارة ليبحث هناك عن رزقه ولأنه لا يجيد اللغة الإنجليزية أيضاً فشل في تدبير وظيفة لائقة وتنازل عن العمل في تخصصه بسهولة ومع ذلك لم يهتم أحد بتوظيفه لأن كل الجهات التي تعمل في نفس المجال تشترط إتقان اللغة الإنجليزية التي تعد اللغة الأم في هذه الدولة.
أخيراً قرر شقيقه الطبيب إنقاذ الموقف بتعيينه في وظيفة مساعد في عيادته الخاصة يقوم بتنسيق المواعيد واستقبال المرضى وتسجيل بياناتهم على الحاسوب والرد على المكالمات الهاتفية وتحويلها إلى الطبيب وبعد عدة سنوات من مراقبة شقيقه استطاع فهم طريقة العمل وأسماء الأدوية وكيفية الوصول إلى التشخيص وإجراء الجراحات البسيطة وتطهير الجروح والإجراءات العلاجية البسيطة مثل الحقن وغيرها.
شاءت الظروف أن يسافر الطبيب لقضاء اجازة موسمية في القاهرة وترك المساعد في العيادة للرد على الهاتف وتأجيل المواعيد ولكن طموحه أغراه بتجاوز القانون وقام بفحص أحد المرضى وشخصه ووصف له العلاج..
وشعر بالفخر لأنه أصبح موظفاً ذا قيمة أخيرا، ولكن لم تمض على الواقعة سوى دقائق حتى وقع في شر أعماله وطالته يد العدالة إذ ان الصيدلي الذي تلقى الوصفة الطبية اكتشف عدم وجود تناسق بين الأدوية المسجلة في الوصفة وقرر مراجعة الطبيب هاتفياً على الرغم من عدم وجود أي مسؤولية عليه كصيدلي لأن الوصفة ممهورة بتوقيع الطبيب ومختومة بخاتمه وعندما اكتشف من أول المكالمة أن المتحدث ليس طبيباً أبلغ الشرطة في الحال حفاظاً على صحة المريض.
المهم أن صاحبنا مثُل أمام القاضي بتهمة انتحال صفة طبيب وقدم الدفاع أسباباً كثيرة لتخفيف الاتهام إلا أن القاضي لم يأخذ بها وسأل صديقي سؤالاً واضحاً عن مؤهله الدراسي ووظيفته الحقيقية فقال انه محاسب.. سأله القاضي: بم تحكم على طبيب ينتحل صفة محاسب في مصرف يمارس مهنة المحاسبة ويسلبك مالك أو ممتلكاتك؟
أجاب صديقي: أحكم عليه بالحبس فقال القاضي: إذن لا يجوز لك أن تمارس غير مهنتك التي تم تأهيلك لها لأنك إن لم تكن مخلصاً لها فلن تخلص لغيرها ونظراً لحداثة سنك وقلة خبراتك لن أقسو عليك فقط سأعاقبك بالحد الأدنى لهذه الجريمة وهو الحبس لمدة عام مع غرامة مالية وإبعاد عن الدولة كما سأعاقب شقيقك بإلغاء ترخيصه لأنه سمح لك بممارسة مهنته دون تأهيل.
مرت لحظة صمت عقب صديقي بعدها مستنكراً: أهذا عدل؟
كنت أستمع إليه وأنا عابس متجهم الوجه أكاد أتعاطف معه ولكني في نفس الوقت أتعاطف مع المريض الذي كاد يروح ضحية الطبيب المزيف حتى إذا انتهى من سرد القصة انفجرتُ ضاحكا سألني في غيظ وهو يكاد يلكمني: علام تضحك؟
قلت: هذا بالفعل ليس عدلاً لأنك تستحق أكثر من ذلك!
أيمن حجازي
