يعجب الإنسان مما يجري في حياة المسلمين، إذ أصبحوا يعيشون على مبدأ الصدى ورد الفعل، والتبعية العمياء، لكل ناعق باسم منظمة من المنظمات المغطاة برداء الأمم المتحدة، ما إن ينطلق صوت من هناك إلا ويقولون سمعاً وطاعة. هذا بالرغم من أن المسلمين قد لا يكونون بحاجة إلى ورود هذه الصيحات، لما عندهم من معطيات الإسلام النورانية، التي تجعلهم أغنياء عن كل جديد تصل إليه قرائح البشر.
ومثال هذا ما تنادى به المجتمع الدولي من الحض على تخليص البيئة مما لحق بها من ملوثات من كل نوع، وليس المسلمون بحاجة إلى مثل هذا النداء مطلقا، فإن الله عز وجل مهد الأرض وذللها لحياة الإنسان ومعيشته، إذ قال رب العزة «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور» غير أن الإنسان ذاته بعد أن كرمه الله على كثير ممن خلق طلب الله عز وجل منه أن يحفظ على الأرض صلاحها، ولا يزرع فيها فسادا فيشقى بتجرعه ذلك الفساد، إذ قال تعالى: «ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا» ولذلك كان الإنسان هو أول من يشقى بفساده وإفساده: «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون».
ومن هنا كانت قواعد الإسلام هي الكافية لإعادة الصلاح إلى البيئة، إذ جعل نظافة الذات الإنسانية دينا وعبادة يثاب عليها العبد، ويحظى بها بحب ربه، حين أرشد إلى تخلصه من الأذى العالق بجسده لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خمس من الفطرة: الاستحداد والختان ونتف الإبط وقص الشارب وتقليم الأظافر» ثم فرض التطهر قبل الصلوات، فقال تعالى: «ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون».
وإذا صح هذا التطهر كان الثواب جزيلا، لما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» وما رواه أيضا سيدنا عثمان رضي الله عنه قال: توضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشيء من أمر الدنيا إلا دخل الجنة».
ومعنى هذا أن المتوضئ الذي ينظف نفسه هو، ويثاب على ذلك ثوابا جزيلا، كأن الإسلام حبذ للمسلم دوام التطهر والتنظف الشخصي، لأن المجتمع عبارة عن أفراد، فإذا كان كل فرد نظيفاً ومتطهراً، فإن المجتمع كله يكون نظيفاً متطهراً، قريبا من الله عز وجل، وهو سبحانه وتعالى يقول: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين» ويقول: «فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين».
يريد الإسلام تنقية الجماعة وإضافة محسنات ومطيبات تسمو بها الجماعة، فمثلا اجتماع المسلمين يوم الجمعة، أوجب الإسلام الغسل على المسلم البالغ، وأن يتسوك ثم يتطيب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «غسل الجمعة واجب على كل محتمل، وسواك وأن يمس من طيب» وليس هذا فقط، بل استحسن أن يكون ثوب من يحضر الجمعة غير ثوب العمل، أي مصان عن العرق والقذر وخلافه، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما على أحدكم لو اتخذ للجمعة ثوبين غير ثوبي مهنته؟» وذلك تحقيق لنداء الله عز وجل: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين».
ولكي تقدر منظومة تحسين البيئة المعيشية للإنسان، التي أرسى دعائمها الإسلام وكيف تكاملت هذه المنظومة بصورة ليست موجودة مطلقا في الدعوات الخارجية الآتية من الهيئات الدولية، بحيث شملت نظافة الذات، ثم نظافة البيت الذي يعيش فيه الإنسان، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود».
وشملت نظافة المسجد ونظافة وطهارة وزينة من اجتمع فيه، ثم شملت نظافة الطريق أو الشارع، بحيث إن الذي يزيل ما يؤذي المسلمين في طريقهم، يبرهن على وجود الإيمان بالقلب، ويرصد له الجزاء الأوفى فأما شهادة الإيمان ففي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» وفي قوله: «حملك عن الضعيف صلاة، وإنحاؤك الأذى عن الطريق صلاة».. إذن هي عبادة من أرقى العبادات، أن ترفع عن الطريق ما يؤذي مستخدم الطريق، وهذه العبادة جديرة بجزاء الرب سبحانه وتعالى وانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت رجلاً يتقلب في الجنة كيف شاء في شجرة كانت على ظهر الطريق تؤذي المسلمين فجاء فقطعها» أو قوله صلى الله عليه وسلم: «مر رجل بطريق فوجد غصن شوك على ظهر الطريق فجاء فأخره، فشكر الله له فغفر له»..!
وإذا كان هذا هو جزاء رفع الأذى عن الطريق، فماذا عن واضعيه؟!
إن الإسلام غلظ عقوبة المتسبب في وجود الأذى، حتى وصلت إلى الطرد من رحمة الله وذلك تفسير اللعن الوارد في الأحاديث من مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الملاعن الثلاث: في الموارد وفي الظل وعلى قارعة الطريق» ومعنى هذا أن الإسلام حذر من قضاء الحاجة في المياه المورودة، أو في الظل الذي يحتاجه الناس، أو قارعة الطريق الذي يمر منه المسلمون، فمن صنع ذلك كان ملعوناً.
ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في أكثر من حديث، من مثل قوله: «من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم» أو قوله: «من سلَّ سخيمته على طريق المسلمين فعليه لعنة الله وملائكته والناس أجمعين» والسخيمة هذه قد يتبادر إلى الذهن أنها البراز، ولكن البراز قد يكون بما اشتمل عليه من جراثيم وطفيليات وخلافه أخف أثراً من كثير من النفايات الكيميائية أو الإشعاعية أو غيرها من مسببات السرطانات والأمراض الفتاكة، التي تفوق الطفيليات والفطريات آلاف المرات، فما لا ريب فيه أن واضعها والمتسبب فيها يكون قد استحق الطرد من ديوان رحمة ربه بجدارة وأصبح عنواناً للعنة ربه وملائكته والناس أجمعين..!!
ولا يقف حرص الإسلام على سلامة البيئة عند حد التحذير من الملوثات العضوية ولكنه أيضاً حذر من تلوث البيئة بالضوضاء الزائدة عن حدود الاحتمال، فقال رب العزة سبحانه وتعالى: «واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير».. فالحد من نبرة الصوت لئلا تتجاوز المطلوب مأمور به شرعاً، وعلة ذكر الحمار وصوته، شاهد على المطلوب، لأن صوت الحمار لا يتصاعد عند الحاجة إليه، حتى لو كان يضرب بالحديد، بل لو كان يقتل لا يخرج صوتاً، ولا يشعر به أحد، وإنما تجده وهو يقف خالياً يصدر صيحاته تلك العالية التي لا فائدة منها، وإنما هي إزعاج فوق إزعاج فاستحق أن يكون منكراً..!
ومن الناس من يستخدم صوته في غير حاجة، فقد شابه الحمار وأتى باباً من أبواب النكارة البغيضة، ولذلك فرفع الصوت دون اضطرار غير لائق حتى لو كان في أمور العبادة، فمثلاً في الصلاة نجد الحق تبارك وتعالى يقول: «ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا» وفي الدعاء نجد الحق تبارك وتعالى يقول: «ادعو ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين» .
علي عيد
