الخافض الرافع اسمان متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، والخافض جل شأنه: هو الذي دانت له الرقاب جميعاً إذ خفضها بعزة جبروته وقهرها بسلطان ربوبيته فخضعت لعظمة جلاله، وانقادت لحكمته وسيرت بقضائه وقدره، فكانت تحت مشيئته ليس لها معه سلطان ولا تدبير.
فقد تبارك الله في ملكه وتعالى على عرشه وعز في سلطانه خضعت الإنس والجن لجبروته وسبح كل شيء بحمده طوعاً وكرهاً.والرافع: هو الذي نصر جنده وأعز أولياءه، ورفع شأنهم في الأولين والآخرين، وأضافهم إليه تشريفاً وتعظيماً فقال جل شأنه: «وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً». إلى قوله سبحانه: «أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً».
الخافض: هو الذي يخفض بالجهل أقواماً فيعيشون بجهلهم أمواتاً وهم أحياء، ويرتكبون به من الكبائر والخطايا والأخطاء ما يكون سبباً في انحطاطهم عن مرتبة الإنسانية إلى ما دون مرتبة الحيوان الأعجم. يقوم الله عز وجل: «أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً».
وهؤلاء قد عرضت عليهم الهداية فأبوها واستحبوا العمى فأضلهم الله. ولو طلبوا الهدى لهداهم ولكنهم تمادوا في الضلال فغلبت عليهم شقوتهم فهوت بهم أهواؤهم إلى مكان سحيق، «ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء».
والرافع: هو الذي أعز أولياءه بالعلم ورفع شأنهم بما فتح به عليهم فكانوا سادة وقادة وأئمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويعلمون الناس أمور دينهم.
يقول الله عز وجل: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات».
ويقول جل شأنه: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم).
ويقول عز من قائل: «نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ».
وقد قالوا: من قبح الجهل أن ينكره من هو فيه، ومن شرف العلم أن يدعيه من ليس فيه، ولذلك قصر الله الخشية عليهم دون غيرهم فقال: «إنما يخشى الله من عباده العلماء».
والمراد بالعلماء في الآية: العارفون بالله العاملون بكتابه عز وجل العاملون بسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.
وقد نفى الله التسوية من جميع الوجوه بين العالم والجاهل فقال جل شأنه «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب».
والخافض: هو الذي يخفض أهل المعاصي بالانتقام فلا تراهم يرفعون الرأس أبدا ولا ترى أحدا من الناس يجلهم أو يحبهم ويعتز بصحبتهم أو يثني عليهم إلا نفاقاً.
قال ابن المقفع: من تكبر على الناس ذل ومن أعجب برأيه ضل وذلك لأن الكبرياء لله وحده.
(وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم).
وقد جاء في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني واحداً منهما قصمته». والرافع: هو الذي يرفع من تواضع لعظمته ولم يتكبر على أحد من خلقه. وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تواضع لله رفعه».
رجاء علي