جاء قرار الحكومة السويسرية بحظر إقامة مآذن للمساجد ليفتح من جديد باب الجدل حول جدوى الحوار بين الأديان في ظل تعرض الإسلام ورموزه لهجوم دائم من الغرب.. من هذا المنطلق يأتي هذا الحوار مع الشيخ عبدالفتاح علام، وكيل الأزهر ورئيس لجنة حوار الأديان سابقا، والذي أكد أن قرار حظر إقامة المآذن يحمل دلالات كثيرة، ويجب ألا يمر مرور الكرام.. مشيرًا إلى أن هذا الموقف لا يمكن أن يقلل من جدوى حوار الأديان الذي يسعى إلى تحقيق أهداف إنسانية عامة؛ فإلى الحوار.

كيف ترى القرار السويسري بحظر إقامة المآذن؟ أعتقد أن حرمان المسلمين من بناء المآذن بالمساجد المقامة في سويسرا يعد مصادرة لحق من حقوق حرية الاعتقاد التي يكفلها القانون السويسري نفسه.. كما أن هذا القرار هو انعكاس لحالة الكراهية والتمييز ضد المسلمين هناك؛ خاصة في ظل تزايد أعدادهم التي وصلت إلى 400 ألف مسلم في سويسرا فقط، وهذا التمييز سبق وأن شكت منه بعض المؤسسات السويسرية نفسها مثل المفوضية الاتحادية السويسرية العام 2000.

هل يعني هذا أن تزايد أعداد المسلمين يعد السبب الرئيسي وراء قرار الحظر؟

تزايد أعداد المسلمين في أوروبا ليس السبب الرئيسي، وإنما من أهم الأسباب التي تقود إلى ممارسة التمييز ضد المسلمين ليس في سويسرا فقط؛ وإنما في أوروبا كلها، حيث يخشى المسلمون من تحول أوروبا إلى قارة مسلمة؛ مما ينعكس على عمليات التمييز والتضييق ضد المسلمين هناك.

هناك من يرى أن مسألة حظر بناء المآذن لا تستحق كل هذه الضجة.. ما تعليقك؟

نعم هناك من يرون ذلك باعتبار أنها ليست من أساسيات المساجد التي كانت تبنى في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بدون مآذن؛ بل إن إقامتها مسألة حديثة؛ الهدف منها أن يقف المؤذن في مكان مرتفع يرفع الآذان؛ وبالتالي لا يوجد مبرر للضجة المثارة حاليًا؛ ورغم احترامي لوجهة النظر هذه؛ إلا أنني أرى أنه لا يجب التغاضي عما حدث؛ خاصة أنه يمثل دليلاً على التمييز ضد المسلمين؛ إضافة إلى بعض الدلالات الأخرى التي تخص المسلمين أنفسهم بعيدًا عن القضية المثارة.

ما أهم هذه الدلالات من وجهة نظرك؟

نتائج الاستفتاء السويسري تعتبر مؤشرا خطيرا على تفرق المسلمين، وعدم توحدهم على رأي واحد، إضافة إلى عدم قيامهم بدورهم الواجب في الدفاع عن حقوقهم؛ حيث يتجاهلون ممارسة حقوقهم الانتخابية بعدم القيد في السجلات الرسمية للناخبين، وهو ما يؤثر في النتائج فيما بعد التي تأتي في غير صالحهم؛ كما أن النتائج تعد مؤشرا خطيرا يبين ما ألحقته أفعال بعض المنتسبين للإسلام من الجماعات التي تقوم بين الوقت والآخر بالتفجيرات والممارسات التي تتلف الأرواح والممتلكات، وهذا كفيل بخلق حالة عدائية غربية تجاه كل ما يتصل بالإسلام.

أين الأزهر الشريف والمؤسسات الدينية من القضية؟

الأزهر الشريف وغيره من المؤسسات الدينية الأخرى أدانت نتائج هذا الاستفتاء باعتبارها تمثل تضييقا على المسلمين..

لكن البعض يرى أن هذه الإدانة هي مجرد إجراء لحفظ ماء الوجه، وأن هذه المؤسسات لم تقم بدورها؟

هذا أمر غير صحيح؛ فالمؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، وعلى رأسها الأزهر الشريف، تتواصل مع الجاليات الإسلامية في الدول الأوروبية وغيرها من الدول غير الإسلامية من خلال إرسال عدد من الدعاة؛ فضلاً عن دعم القضايا والمواقف الإسلامية في هذه الدول..

في رأيك.. كيف يواجه المسلمون هذه القضية؟

أعتقد أن المواجهة السلمية لقرار الحكومة السويسرية تتمثل في الاعتراض المنظم، وتجاوز حالة التعصب التي قد تظهر في مواقف المسلمين عند اعتراضهم على أي شيء يتمثل بهويتهم؛ مع الابتعاد عن كل الدعاوى التي تنادي بالمقاطعة والتصعيد؛ كما يجب استثمار وسائل الإعلام في مخاطبة الغرب بثقافته، وبيان صحيح الإسلام، وهو أمر يساهم إلى حد كبير في اتخاذ مواقف إيجابية من الغرب تجاه القضايا المتعلقة بالمسلمين هناك.

مآذن سويسرا.. أعادت الجدل مرة أخرى لجدوى الحوار بين الأديان.. ما رأيك؟

الحوار بين الأديان أمر غاية في الأهمية، ولا يجب أن يتوقف نتيجة موقف ما، أو إساءة ما للإسلام، والتي لا يجب أن تعمم على أتباع الدين الآخر؛ وبالتالي فإذا وجد من يعتدي على رمز من رموز ديننا الحنيف فأنا أرفضه ولا أتعاون معه كشخص؛ إلا أنني في الوقت نفسه لا أعمم حكمي على الديانة التي يتبعها.

ولكن البعض طالب بعدم الحوار مع أتباع الديانات الأخرى بعد سلسلة من المواقف كان آخرها الاستفتاء السويسري؟

هذه وجهة نظر خاطئة؛ فنحن لا نتحاور مع أتباع الديانات الأخرى حول العقائد.. دائمًا نسعى للتحاور معهم حول بعض القضايا المشتركة التي قد تمثل أرضية ننطلق منها لتجاوز الخلافات القائمة بين أتباع الديانات.

وما هذه القضايا المشتركة؟

هناك قضايا مشتركة عديدة تندرج تحت ما نسميه في الإسلام «الكليات الخمس»، والتي تشمل المحافظة على الدين والنفس والعرض والعقل والمال؛ وهي أمور تشكل نقاط اتفاق بين أتباع الديانات؛ والنقطة الأولى المتعلقة بالحفاظ على الدين، والتي تمثل محل جدل؛ لذا نتجاوزها، وننتقل إلى النقاط الأخرى المتفق عليها؛ فكل دين ينهي عن السرقة، ويحرم الخمر، وكل ما يذهب العقل؛ كما أن كل دين يحث على المحافظة على العرض وينهي عن الزنى.

وما الفائدة التي من الممكن أن تعود على المسلمين في أوروبا نتيجة هذا الحوار؟

الحوار يأتي بنتائجه على الأصعدة والمستويات كافة، أبرزها صعيد الأقليات المسلمة في الدول غير الإسلامية؛ حيث يساهم الحوار في إدماجهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، وبالتالي نتلاشى أي صور تمييز أو تضييق ضدهم، كما حدث مؤخرًا في سويسرا؛ فالحوار يؤدي إلى التقارب والتعاون من أجل رقي الشعوب وتقدمها.

هل الحوار بين أتباع الأديان له أبعاد سياسية؟

بالطبع.. حيث يساهم في تصحيح الصور المغلوطة عن الإسلام، وبالتالي إبعاد تهمة الإرهاب عن المسلمين.

الحوار بين أتباع الأديان يجذبنا إلى حوار من نوع آخر هو الحوار بين المذاهب الإسلامية.. كيف تراه؟

هناك قواعد وأصول أساسية نجتمع عليها كمسلمين بغض النظر عن الاختلاف في المذاهب سواء سنة أم شيعة؛ فالسني والشيعي يشهد كل منهما أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وكل منهما يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت الحرام؛ وبالتالي يجب استغلال نقاط الاتفاق في التقريب بين المسلمين باختلاف مذاهبهم؛ فإذا كنا نشجع الحوار مع أتباع الأديان الأخرى؛ فمن الأولى أن يكون هذا الحوار بين المسلمين.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية