قال الشيخ: يقول الحق سبحانه وتعالى: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا).

فأصل كل ما يصيب الإنسان من سوء أو خير هو من الله عز وجل لا عاصم منه إلا هو؛ وإدراك هذه الحقيقة يخفف كثيرا من ثقل البلاء الذي يصيب المؤمن أيا كان. ذلك أن للبلاء ألما يجده المرء في نفسه ويزيده أضعافا سوء تقديره بأن يعزوه إلى فلان من الناس أو إلى ظاهرة من الظواهر أو إلى الفوضى والعبث والعشوائية، وقد قرأنا في الآداب المعاصرة كثيرا من هذا، حيث يصطدم رأس صاحب البلاء بصخرة البغض أو الحقد أو الإحساس بالعبثية واللاجدوى فيكيل اللعنات للأشخاص أو الظروف أو الأقدار ويتقلب على نار من ألمين: ألم البلاء وألم الصدمة وسوء الفهم.

أما المؤمن الذي يعاين حقا أن المحيي والمميت والمعطي والمانع والمعز والمذل والخافض والرافع هو الله وحده فإنه يستقبل مرادات الله بنفس هادئة راضية تحتسب أجر صبرها عند الله ولا ترى فيما هي فيه إلا الخير. من هنا جاءت الآيات الكريمات: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب).

وفي الآية الأولى نجد أنه مع ذكر منح الملك ونزعه وعز العبد وذله يأتي التعقيب (بيدك الخير) ولا ذكر للشر أو الضر، ذلك أن أفعال الحق سبحانه وتعالى لا تنفك عنها الحكمة ولا اللطف، والمؤمن وحده هو الذي يرى ذلك حتى وهو يصارع أمواج البلاء. ثم إن الآية الكريمة تختم بطلاقة القدرة (انك على كل شيء قدير). والآية التالية تختم بطلاقة الرزق (ترزق من تشاء بغير حساب) وفي هذا سند قوي لكل مبتلى لا يخنق نفسه بالأسباب الأرضية الضيقة؛ وكم من عسر اشتد حتى كاد أن يقتل صاحبه ثم انقلب إلى يسر. نحن في هذه الدنيا مع الله وحده، وما يصيبنا من سوء أو خير هو من أفعال الله وحده، وان ظهر على يد فلان من الناس أو مرض من الأمراض أو ظرف من الظروف، ومع الله يستحيل عقلا الهروب منه إلا إليه.

والحق سبحانه وتعالى يقول: (ففروا إلى الله) ويقول (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ويقول (فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) ويقول (من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب)وأعلم أن الأصل عند المؤمن إذا ما ابتلى بما لم يرق له فإنه أولا يتبرأ من معرفته ويسلم لحكمة الله عز وجل، إذ كم من بلاء جادت رحمه بالعطايا، ثم انه يعلم يقينا أن اللطف والرأفة لا ينفكان عما ابتلاه الحق سبحانه وتعالى به، وأنه عز وجل لو أراد لكان بلاؤه أعظم، ثم انه يرى في البلاء تأديبا من رب محب على ذنب أو تقصير فيراجع نفسه ويؤوب إلى محبوبه فإن لم يتبين تقصيره عزا ما ابتلى به إلى إرادة جلالية لا تقابل إلا بالخضوع والرضى الجمالي والحمد لله في كل حال.

ماهر سقا أميني