قدر مراقبون بأن إطلاق موازنة حكومة دبي للعام المالي 2010 جاء تتويجاً لسلسلة من تدابير وإجراءات جري اتخاذها خلال الأشهر القليلة الماضية بهدف تعزيز كفاءة الأداء المالي وصيانة المال العام وترشيد الإنفاق، وتجسد هذه الإجراءات مرحلة الإصلاح الهيكلي التي تجتازها الإمارة في تعاطيها مع مضاعفات الأزمة المالية العالمية، بحيث تكون قادرة علي مواصلة مسيرة نموها على أسس ومقومات مستدامة على الأجل الطويل.

النهج الوسطي

وعليه، تشكل موازنة حكومة دبي لعام 2010 في نظر المراقبين مؤشرا على انتهاج إمارة دبي نهجا وسطا في الموازنة بين تعزيز وتحفيز النمو الاقتصادي وترشيد الإنفاق ، بحيث لم تأخذ الميزانية شكل الموازنة التوسعية، كما أنها لم تأخذ هيئة الميزانية التقشفية، وإنما خلقت توازنا بين هدف تغذية النمو من جانب، ولاسيما فيما يتعلق بمجال الإنفاق علي تكملة مشروعات البنية التحتية، وهدف ضبط الإنفاق الحكومي وترشيد أوجه النفقات .

ويرصد المراقبون عدة مؤشرات الدالة علي إتباع هذا النهج الوسطي في التعامل مع أهداف مالية واقتصادية قد تبدو في شكلها الخارجي متناقضة مع بعضها البعض، وهو ما يزيد من درجة التحدي في كيفية صياغة معادلة متوازنة تحقق أهدافا اقتصادية ومالية علي اتجاهات متعددة، وفي هذا الإطار تأتي ميزانية عام 2010 لتجسد المرونة التي تتمتع بها هذه الميزانية وقدرتها على تحفيز اقتصاد الإمارة وتنشيطه للاستجابة لكافة التحديات التي يمكن لأي اقتصاد أن يواجهها والخروج منها أكثر صلابة وتطوراً.

ويبرز في قلب هذه المؤشرات، تحديد الميزانية قيمة العجز المتوقع بحوالي 6 مليارات درهم الأمر الذي يتسق مع القواعد المالية التي تحكم السياسة المالية بضرورة ألا يتجاوز العجز نسبة 3 % من إجمالي الناتج المحلي للإمارة حيث بلغ العجز نسبة 2 % فقط ، ورغم أن هذا العجز يزيد علي العجز المقدر في موازنة حكومة دبي للعام المالي 2009 الذي بلغ 2. 4 مليارات درهم ، ألا أنه يصب في اتجاه تحقيق هدف تحفيز النمو الاقتصادي وزيادة إجمالي الطلب المحلي لتعويض الانخفاض المتوقع في الإنفاق الاستثماري الخاص والإنفاق الاستهلاكي.

وينطوي التعامل مع عجز الموازنة علي تحديات في كيفية تغطية هذا العجز، بيد أن الدائرة المالية بحسب أقوال عبد الرحمن آل صالح، مدير عام الدائرة في نجحت في التعامل مع عجز ميزانية 2009، وذلك عبر ترشيد الإنفاق بالتنسيق مع مختلف الدوائر الحكومية، وإيجاد مصادر تمويل لضمان استمرار المشاريع المهمة، والإصدار الجديد من الصكوك مرتبط بتغطية هذا العجز ، وهو ما يؤشر على أن العجز المسجل في ميزانية 2010 مسألة قابلة للإدارة والمعالجة.

تصدر الإنفاق الاستثماري

ورغم أن العجز المقدر في موازنة 2010 يزيد على عجز ميزانية 2009 ، إلا أن هذا العجز ليس نتاج لزيادة الإنفاق الحكومي، بل قدرت موازنة حكومة دبي لعام 2010 أن يبلغ الإنفاق الحكومي 4. 35 مليار درهم، وهو ما يقل عن النفقات المتوقعة للقطاع الحكومي للعام المالي 2009 والتي قدرت بمبلغ 7. 37 مليار درهم، بل جاء نتيجة للحفاظ علي الإنفاق الاستثماري في صدارة الأولويات، وبالتالي لم ينخفض كثيرا عن معدله في ميزانية حكومة دبي لعام 2009، بل فاق قيمة الإنفاق الاستثماري الحكومي في عام 2008 .

ففيما بلغ الإنفاق الاستثماري الحكومي لموازنة العام المالي 2010 لحكومة دبي 7. 10 مليارات درهم وهو ما يمثل 30% من إجمالي الإنفاق الحكومي، بلغ الإنفاق الاستثماري قي موازنة 2009 نحو 12 مليار درهم مقارنة بمبلغ 9 مليارات درهم للعام المالي 2008 بمعدل زيادة 33% ويمثل الإنفاق الاستثماري نسبة 32% من إجمالي الإنفاق الحكومي.

ويري مراقبون أنه يجب تقييم الموازنة المالية لحكومة دبي لعام 2010 في سياق التغييرات التي طرأت على بيئة الاقتصاد الكلي في إمارة دبي، من زاوية إعطاء الأولوية القصوى لترشيد وصون وحماية المال العام ، وتعزيز الأداء المالي للمؤسسات الحكومة ، وذلك من خلال إطلاق البرامج الهادفة إلي تزايد الوعي لدى المسؤولين في الدوائر والهيئات الحكومية بالعمل على تحقيق الاستغلال الأمثل للمال العام.

التميز المالي

وتتجلى الأولوية التي توليها حكومة لنشر ثقافة الاستخدام الأمثل للمال العام بين الدوائر والشركات الحكومية في لإضافة فئة الأداء المالي ضمن برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز، من ناحية تحديد الاحتياجات المالية وإعداد الموازنات في ضوء دور ومهام الجهة الحكومية المعنية ودرجة الربط بين الخطة الاستراتيجية والموازنة وتطبيق التخطيط المالي متوسط المدى ومدى الالتزام بالأنظمة والتعليمات والمعايير المتعلقة بإعداد الموازنات وخطط التدفق النقدي ومستوى فعالية تنفيذ الموازنة وتطبيق نظام للتقارير المالية وضمان الاستفادة منها وفي ما يتعلق بتنمية الإيرادات وترشيد النفقات.

فقد تمحورت المعايير حول مدى تطبيق برامج ترشيد النفقات وتنمية الإيرادات مع ضمان زيادة القيمة المضافة للمتعاملين وكفاءة عمليات تحصيل الإيرادات وإدارة الالتزامات المالية ودراسة جدوى المشاريع وتحليل الانعكاسات المالية لها وتحليل البدائل لاختيار الملائم منها بالإضافة إلى فعالية نظام إدارة المخزون والممتلكات وضمان جدوى حيازة الممتلكات وحسن استخدامها.

الحفاظ على المال العام

ولم ينحصر الأمر في وضع برامج تهدف إلى نشر ثقافة تنشد التميز المالي الحكومي والالتزام بالتوجهات والسياسات المالية العامة لحكومة دبي ، والحرص على فاعلية وكفاءة عمليات إعداد وتنفيذ الموازنات وبالتالي الاستخدام الأمثل للمال العام والمحافظة عليه. بل تلازم مع هذه البرامج ، إصدار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي عدة تشريعات مالية واقتصادية، تهدف إلى ضبط الإنفاق العام والسيطرة على الموارد ومن بين التشريعات، ثلاثة قوانين تتعلق بإدارة الأموال العامة. حيث تضمن القانون 34 لسنة 2009، الخاص بإدارة الأموال العامة لحكومة دبي، العديد من الأحكام التي تعالج إدارة الأموال العامة العائدة لحكومة دبي، ومن بين أهم هذه الأحكام:

* تنظيم إعداد الموازنات السنوية للجهات الحكومية، سواء الجهات المدرجة موازناتها السنوية ضمن الموازنة العامة للحكومة، أو الجهات التي تتمتع بالاستقلال المالي ولديها موازنات مستقلة، أو الجهات التي تتلقى دعماً مالياً من الحكومة من خلال الموازنات الملحقة.

* إلزام الجهات الحكومية بعدد من الضوابط والمعايير والإجراءات، التي تهدف إلى ضبط الإنفاق العام والسيطرة على الإيرادات الحكومية، وتوفير قاعدة بيانات دقيقة حول مواردها ونفقاتها.

ومن بين الجهات التي تم إلزامها بذلك، الجهات الحكومية التي تتمتع بالاستقلال المالي، حيث أوجب عليها القانون توفير كافة البيانات المتعلقة بموازناتها السنوية وحسابها الختامي للدائرة المالية، والاعتماد على مواردها المالية، وعدم الحصول على أية مخصصات من الموازنة العامة، إلا على شكل قروض واجبة الأداء في مواعيد استحقاقها، وضرورة أن يتم اعتماد موازناتها السنوية من اللجنة العليا للسياسة المالية في الإمارة.

* إلزام الجهات الحكومية بتوريد إيراداتها إلى حساب الخزانة العامة للحكومة، وحظر احتفاظها بأي جزء من إيراداتها أو الإنفاق منها على أنشطتها أو استثمارها أو استخدامها.

* إلزام الجهات الحكومية التي تتمتع بالاستقلال المالي، وكذلك الشركات الحكومية، بتحويل فائض إيراداتها إلى الخزانة العامة للحكومة باعتبارها إيرادات عامة.

وأجاز القانون وبموافقة اللجنة العليا للسياسة المالية وبالتنسيق مع مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية، بإعادة استثمار الأرباح وفوائض الإيرادات قبل تحويلها إلى الخزانة العامة للحكومة، على أن يتم تزويد دائرة المالية بالبيانات المالية الكاملة عن هذه الأرباح والفوائض، ليتم احتسابها ضمن الإيرادات العامة للحكومة.

* ألزم القانون الجهات الحكومية المدرجة موازنتها ضمن الموازنة العامة للحكومة بأن تحوّل إلى دائرة المالية كافة المبالغ المودعة لديها من العملاء كتأمينات مستردة أو أية ودائع أخرى قابلة للرد وذلك وفقاً للتعليمات التي تصدر عن الدائرة في هذا الشأن .

وهكذا، لم تأت ميزانية العام المالي 2010 لحكومة دبي كأجراء مستقل ومنعزل عن التطورات الجارية علي صعيد بنية الاقتصاد الكلي لإمارة دبي ، بل جاءت ضمن حزمة من الإجراءات والتدابير التي ترمز لمرحلة نوعية جديدة ، تتمثل أبرز مفرداتها هي صيانة وحفظ وترشيد المال العام ، بحيث يكون في المستطاع تحقيق أهداف تنموية كبرى بموارد أقل ، وهو ما يدل في نظر المراقبين على قدرة إمارة دبي على التعامل الحصيف والذكي مع تحديات الأزمة المالية، وهو ما يبشر بأن يشكل العام الجديد هو عام النمو أسوة بأعوام النمو التي شهدتها إمارة دبي قبل تفجر الأزمة العالمية في 2009.

دبي ـ مجدي عبيد