مدينة فينيسيا في ايطاليا، أو المدينة العائمة فوق الماء، كما يحلو للبعض أن يسميها، يبدو أنها آخذة في التحول إلى مدينة أشباح، ففي عام 1973 كان عدد سكانها يزيد على 103 آلاف نسمة، وفي عام 1993، انخفض هذا العدد إلى 74 ألف نسمة، واليوم يقل عدد السكان عن 60 ألف نسمة.

وقد دفع ذلك المراقبين إلى إجراء التحليلات ووضع النظريات التي تعلل سبب ذلك. من جانبهم دشن السكان المحليون الحملات، ونظموا المسيرات التي تطالب بعدم انقراضهم وتحولهم إلى أقلية في بلدهم مقارنة بأمواج السياح المتدفقين عليها.

وفي ظهيرة أحد الأيام، عبرمشهد مثير للاهتمام، شق قارب جندول طويل طريقه عبر قناة فينيسيا الكبرى، وهو يحمل نعشا مغطى بالزهور الصفراء. وتابع الناس هذا المشهد الغريب وهم يقفون على جسر ريالتو قريبا من الشاطئ، وأطلقوا الهتافات، قبل أن يرسو القارب في مكان قريب قرب قاعة البلدية.

وكان المشهد الذي خصص جزءا منه لالتقاط الصور التذكارية، فيما أعد الجزء الآخر ليكون مسرحا سياسيا، محط الأنظار، وهو يمثل جنازة رمزية لتشييع مدينة فينيسيا نظمتها مجموعة من الناشطين للاحتجاج على تناقص عدد السكان المحليين في المركز التاريخي للمدينة، حيث دفعت الإيجارات المرتفعة للمنازل، والأفواج المتزايدة للسياح، الألوف منهم للهجرة إلى البر الرئيسي.

ورد أحد الممثلين في قاعة المجلس البلدي على هؤلاء الناشطين قائلا: «يا سكان فينيسيا أنتم لم تقضوا نحبكم، بل تعبون وتحاولون الدفاع عن الامتيازات التي حصلتم عليها في أجمل مدينة من مدن العالم».

وقام آخرون بتحطيم النعش وبدأوا برش الطلاء على المتظاهرين. وبغض النظر عن تضارب الآراء حول هذا الموضوع، يشعر السكان المحليون في فينيسيا أنهم أصبحوا بمثابة كائنات معرضة لخطر الانقراض، ويقول ماتيو سيشي الناطق باسم جماعة فينيسيا التي نظمت هذه الحملة، في هذا الصدد: «إننا على وشك التحول إلى مدينة أشباح، وإذا لم يتم اتخاذ أية إجراءات في القريب العاجل. فقد ننقرض في غضون 30 عاما».

وقبل يوم من تنظيم هذه الجنازة الرمزية، اتشح سيشي البالغ من العمر 40 عاما بالسواد، ووقف إلى جانب عداد إلكتروني للسكان معلق على إحدى النوافذ، وقد عرض على شاشته الرقم 59992. غير أن المجلس البلدي يحدد العدد الحقيقي لسكان فينيسيا بـ 60025، علاوة على 30 ألف شخص إضافي يقيمون في الجزر المجاورة.

وقد قارنت مفوضة الإسكان في المدينة هذه الجنازة الرمزية بالجنازة التي ينظمها الأبناء لوالدهم وهو لا يزال على قيد الحياة، وهذا يجلب بصورة عامة سوء الطالع، خاصة مع وصول عدد السياح الذين يتدفقون على المدينة الغارقة سنويا إلى نحو 18 مليون سائح.

ويتهم بعض السكان المحليين المجلس البلدي بالاهتمام بالسياح والطلبة الدارسين في جامعات المدينة، أكثر من اهتمامهم بهم، وللدلالة على ذلك عرضوا على المستثمرين شراء مجمع للمستشفيات. ويشبه آخرون فكرة هجرة السكان المحليين للبر الرئيسي بحورية البحر التي يُطلب منها السير على اليابسة.

ويقولون أن ذلك بمثابة الحكم بالإعدام على كبار السن. ويطالب سكان فينيسيا ومجموعات أخرى بتخفيف الضرائب المفروضة عليهم، وبناء مزيد من المساكن العامة لهم بأسعار أرخص من السوق. وترد مفوضة فينيسيا على هذه المطالب بالقول إنه تم توفير المساكن لنحو 45% من السكان بالمقارنة مع 4% بالنسبة لبقية الايطاليين في أنحاء ايطاليا وعزت انخفاض عدد السكان إلى التباين الكبير بين عدد المواليد والوفيات.

وهناك انقسام كبير بين السكان بشأن «مشروع موسى» المخصص له مبلغ 5 .6 مليارات دولار، وهو عبارة عن سلسلة من الجسور الهادفة لمنع تعرض البندقة للفيضانات، والمقرر أن يصبح جاهزا بحلول العام 2014.

كما أنهم منقسمون بشأن مشروع آخر يتيح للناس إيقاف سياراتهم في البر الرئيسي والوصول إلى مطار المدينة عبر أحد الأنفاق. وهناك مسائل أخرى مختلف عليها تتعلق بالبيئة. ويتساءل البعض عما إذا كان المجلس البلدي يعتزم تحويل فينيسيا إلى مدينة ديزني أخرى من خلال إقامة الملاهي ومراكز الترفيه المختلفة.

عمر حرزالله