ما أن تثور رياح غضب ربة المنزل .. أو تعصف بالبيت أمواج من البغضاء والشقاق، أو تنتاب أحدهم حالة مرضية لا تُفسّر، عندها.. لا بد من وقفة تأمل لأحداث ساعةٍ مضت.. أو يوم .. أو أسبوع .. العودة لسجلات الزوار والمترددين على المنزل، إن كان حرك المياه الراكدة.

وأزعج هدوء المنزل بكلمة لفظت آثارها على سلوك قاطنيه، فللحسد وجوه وعيون وأياد خفية، عدد قليل منها يمكن رؤيته، أو الإحساس به، أما ما خفي، فيذوب على نار مودة ظاهرة، وشيء من حقد وغيرة باطنين، يعصى تحسسهما أحياناً.

لم تتجاوز طفلتها الكبرى الأعوام الثلاثة عندما أنجبت طفلة أخرى، وبدأت باستقبال الزوار والمُهنئين، كان كل شيء يبدو ما على ما يرام، حتى انصرفت الضيفة الأخيرة، وبدأت الطفلة الكبرى بضرب الرضيعة مسيلةً دماءها، مسببة لها جروحا وآلاما شُفيت منها بعد أيام.. في حالة لم تألفها الأم أبداً تغير سلوك ابنتها الكُبرى وأضحت أكثر عدوانيةً تجاه شقيقتها..

همّت الأم باسترجاع شريط الذاكرة القريبة، وعادت بتفسير لسلوك طفلتها، كان صدى جملة إحدى الزائرات أول ما ارتد إلى حائط الذاكرة، فبعد طول تأمل للطفلتين أطلقت جملتها «أشوف بنتج الكبيرة ساكتة ..

وما تغار من أختها الصغيرة».. كان ذلك بحسب التفسير السائد وجهاً من وجوه الحسد اللفظي إن جاز وصفه، وإن لم تنطق تلك الزائرة بحديثها وأبقته في سرها لكان من الصعب على الأم تفسير اضطراب سلوك الطفلة تجاه شقيقتها.

بين مواجهة الحسد والخوف من وقوعه اتهام بخوف غير مبرر، أو حذر مبالغ به، حاصرته الثقافة المحلية بسلوكيات لا يزال يعتقد بأنها تدرأ الحسد أو تُبطل مفعوله.

فلا ينسى ذلك العجوز ليلة عرسه، عندما أجبرته والدته على شرب ماء «الغسول»-وهو إناء توضع فيه فناجين القهوة لتنظيفها، وتقوم النساء بغسل أيديهن فيه- بعد أن سمعتهن يعددن خصاله ويمتدحن وسامته، بالرغم من صعوبة تخيله، كان شرب الماء كفيلاً بأن يُمضي العريس ليلته بخير، وأن يكف عنه شر الحاسدات منهن.

في الثقافة المحلية يُصنّف سلوك والدة العريس بأنه إجراء وقائي، أما من وقع في شباك الحسد، وثبُتت إصابته بالعين، فإنه يلجأ إلى طرق العلاج أو الشفاء، وتلك في بعضها مستمدة من الثقافة الإسلامية، حيث يجب التحصّن بالرقية الشرعية وقراءة أذكار طرفي النهار ومنها المعوذتين، وأدعية ورد ذكرها في السنة النبوية الشريفة، وأشياء أخرى..

تُصنف بأنها «كلام فاضي»، ولكنها تُجاري بساطة الأهالي وتأتي بنتائجها، ومن ذلك حرق «الشب» مراراً بنية الشفاء من آثار الحسد، و«الشب» نوع من الأملاح الصخرية المتبلّرة، تستخدم عادةً لأغراض التعقيم في المنزل.

يذهب البعض لأبعد من ذلك.. فيجيدون قراءة شكل الشب بعد حرقه، للاستدلال على جنس الحاسد، إن كان ذكراً أو أنثى، وذلك سلوك موصول بعملية التقصي عن شخصية الحاسد والعودة إلى ذاكرة الأحداث القريبة، والأحاديث المشبوهة. وهناك من يذهب إلى المطوع لطرد عمل مكتوب من آخرين كما يعتقدون.

بالرغم من ورود ذكره في القرآن الكريم، وغيره من الثقافات والأديان، فلا تزال قضية الإيمان بالحسد ووقوعه موضع جدل، ولا يزال يُنظر بشيوعها بين الشعوب ذات التحصيل العلمي المتدني أو التي تنتشر فيها الأمية، باعتبارها متلازمةً بأعمال السحر والشعوذة.

التباهي بالنعم والحديث عنها .. صورة من طباع البشر، وتلك في الغالب أرض خصبة تنمو فيها بذور الحسد، وتكبر أشجاره الخبيثة مخلفة آثارا قد لا تزول بشب أو بخور، ولا يمحوها مطوع ولا دكتور، كانت إحدى ضحاياها طفلة جميلة الملامح .. ذكية فصيحة اللسان، تباهى بها والداها يوماً .. وسهرا في مرضها أعواماً، أصيبت على إثرها بأمراض أفقدتها طلاقة الحديث.. وحدة البصر..

وللحسد أحاديث تطول ..

aalfalasi@albayan.ae