توقفت عن دراستها في الصف السابع، وأصبحت زوجة وهي في عمر 13 عاماً، وقبل أن تكمل العشرين ربيعاً أنجبت أربعة أبناء.. هي الآن أم وموظفة ودارسة في مركز مسائي لتعليم الكبار وعمرها لم يتعدَ 25 عاماً.. أكبر أبنائها في الصف الخامس وأصغرهم في الصف الأول.
المواطنة مريم غلوم إبراهيم، ليست كغيرها من الأمهات في عصر الحداثة والرقي، وقد فرضت عليها الحياة أعباء متطلبات صعبة وكثيرة.. لكنها لا تزال تصر على أنها الأجدر بالثبات والثقة والمواصلة حتى تحقيق أحلام راودتها منذ نعومة أظفارها في العلم والمعرفة والإبداع.
بعد سبعة أعوام زواج وإنجاب أربعة أطفال، قررت مريم العودة إلى مقاعد الدراسة من جديد.. بحثت مع زوجها الفكرة ووجدت مساندة تليق بمسمى الحياة الزوجية التي طمحت إليها، وعلى عجالة بدأت الاستعداد لاستكمال حكاية طموح اختارتها نهجاً لتعزز به شبابها، وعلى غير ما كانت تخطط؛ فوجئت بمرض غريب ابتلاها الله فيه، إنه سرطان الغدة، الذي تحول لاحقاً إلى سرطان الرئة.
لم تقف مريم أسيرة المرض، فهي زوجة رافقت التحديات منذ أن أصبحت أما وهي في ملامح الطفولة.. أكملت دراستها في المركز وقد التحقت بالصف السابع، والآن تقف على أعتاب الثانوية العامة.
الغريب في تلك الحكاية أن مريم الشابة الصغيرة، أم لأربعة أطفال جميعهم في المدارس، تؤدي مهامها كولية أمر مواظبة على منح أبنائها أسباب المعرفة والعلم.. تفيق كل يوم عند أذان الفجر، تؤدي فروض الخالق عز وجل، ثم توقظ الأبناء وتجهزهم للذهاب إلى المدرسة، وأحياناً تتوجه إلى المدرسة للسؤال عن مستوى صغارها، وفي كل يوم وتحديداً عندما تدق الساعة الثامنة صباحاً تتوجه سريعاً إلى عملها في إحدى الشركات الخاصة في دبي، وتنتهي من دوامها عند الثانية ظهراً.
وعند الظهر تستعيد طاقتها من جديد، وفي بعض المرات تحضر أبنائها إلى البيت وتصل معهم عند الثالثة ظهراً، وهو موعد عودة زوجها من العمل، تسترجع سريعاً دروس أبنائها وتمنحهم أرضية كافية للمذاكرة، ثم تتوجه عند الرابعة عصراً إلى مركز قرطبة للتعليم المسائي في دبي، فهي تدرس هناك منذ خمسة أعوام، وتقف الآن على أعتاب الثانوية.
الأكثر غرابة في حياة مريم أنها تتحمل كل هذه الأعباء يومياً ومنذ خمسة أعوام وما قبلها، وهي مصابة بسرطان الرئة، تسافر كثيراً للخارج للعلاج في الطب النووي، وتتواصل مع المستشفيات في الدولة، وتدرس وتعمل وتربي أربعة أبناء.. أما المفارقة الأكثر دهشة التي واجهت مريم، فهي إصابة زوجها العام الماضي بالمرض نفسه.
أمام هذا الواقع توقف تفكير العائلة قليلاً، قبل أن تستفيق من جديد «إنه ابتلاء رباني.. الحمد لله لا علاقة للوراثة فيه، والأبناء جميعهم بخير».. وفي خضم هذا الواقع أصرت مريم الأم المريضة والعاملة والدارسة وزوجها المريض على مواجهة التحديات بقدرة وثبات.
تقول مريم إنها كانت ترى في المنام كل يوم أنها تركض في ساحات المدرسة، لكون أن حلم التعليم ظل يراودها منذ البداية، أما المرض فهو ابتلاء رباني لا تعيره أي انتباه أو تفكير، ولطالما ظل وجهها يفيض بملامح ابتسامات لا تفارقها.
المشكلة الأكثر صعوبة التي تعيشها مريم هذه الأثناء هو مواجهتها لواقع مادي صعب، فلا وظيفتها ولا عمل زوجها قادران على تحمل أعباء الحياة على النحو الأكمل، حيث مصاريف البيت والدراسة، وحالياً تجد تلك العائلة المريضة والطموحة حرجاً في دفع قيمة «شيك» مستحق لأجرة البيت الذي تعيش فيه، وهي تأمل في أن الله سيمنحها العزيمة من جديد لتكمل طموحها في دراسة الجامعة واستعادة أحلام الطفولة كاملة.
دبي ـ عنان كتانة