أكدت خبرات أكاديمية الحاجة إلى إيجاد حلول تليق بحجم التحديات التي تواجه الميدان التربوي، مشددة على أنها مهمة خاصة يجب أن يتصدى لها المتخصصون، لأن الجلي في الأمر أن هناك تجارب مستوردة طبقت رغم أنها تكرار لأخرى لم تحقق أهدافها.

وشدد الأكاديميون على ما شبهوه بمعاهدة صلح بين متخذي القرار في وزارة التربية والتعليم والأفكار المحلية، وعدم التعامل معها على أنها مجرد بدايات، لم ترق إلى حيز التنفيذ، في إشار ة منهم إلى ضرورة مراجعة كشف حسابهم مع المشاريع المستورة وحجم تكلفتها للميزانية مقارنة بما حققته من فوائد توافق ما أحيط بها من هالة إعلامية، وعدت بالكثير لمجرد أنها من بلاد العم سام أو من غيرها، المهم أن تكون من الخارج، ومن يأتي بها يسمى خبيراً.الميدان التربوي دعا إلى وقفة جادة وسريعة تأخذ بعين الاعتبار العنصر البشري في أي خطط تطويرية ويقصد بها المعلم الذي يعد الرافعة الأساسية التي لا يمكن لقطاع التعليم أن يتطور بدونها، مؤكدين أن ثالوثاً من الأسباب يقف وراء تراجع أو تطور التعليم في الدولة «المعلم والمناهج الدراسية والمبنى المدرسي.

عناصر تربوية رهنت تحقيق التنمية والتطوير بتحسين أوضاع المعلمين وإنصافهم ورفع مستواهم، حيث إن الرواتب ضعيفة ولا تتناسب مع الأعباء والمهام الملقاة على عاتقهم وإعادة النظر في الرواتب والحوافز ودعم المعلم ماديا واجتماعيا، موضحة أن جميع المؤشرات تدلل على اهتزاز المكانة المهنية والاجتماعية للمعلم التي تسببت في تسرب عدد من العاملين من الكوادر المواطنة المتميزة خارج ميدان التربية.وبحسب معالي حميد القطامي وزير التربية والتعليم فإن التحديات التي تواجه قطاع التعليم كبيرة والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم أكبر ومازال أمامهم الكثير من العمل لانجازه، مؤكداً معاليه في تصريح له خلال ملتقى أفضل التجارب المدرسية أن النجاح لا يتأتى إلا من خلال المشاركة المجتمعية الواسعة وتضافر جميع الجهود، حتى لا تتحمل المؤسسة التربوية الرسمية وحدها عبء التطوير والتحديث على اعتبار أن مخرجات النظام التعليمي سوف تتوجه للمجتمع.

وهذا يظهر بوضوح المسؤولية الكاملة لجميع قطاعات ومؤسسات وأفراد المجتمع. عبيد المطروشي مدير منطقة عجمان التعليمية أكد أن التواصل مع الميدان التربوي هو المفتاح لنجاح أي مشروع تطويري، وهو السبب ذاته الذي يقف حائلا أمام تطوير حقل التعليم الذي يجد أطرافه أنهم عرضة لتجارب جديدة دون اخذ الرأي أو استقصاء الحاجة الفعلية له. نقطة الصفر إبراهيم بركة مدير مدرسة خاصة في الشارقة اعتبر سياسة حرق المراحل تحت وطأة مؤثرات العولمة ودون مراعاة للواقع والعودة إلى نقطة الصفر عند كل تغيير في القيادات التربوية أمراً بالغ الخطورة يعيد الميدان إلى نقطة الصفر دوماً، منتقداً الاقتباس والاستعانة خلال السنوات الأخيرة بخبرات أجنبية قد لا تكون بالضرورة مؤهلة للمساهمة في العملية التربوية بالصورة المطلوبة إضافة إلى إغفال رأي الميدان في معظم المسائل الجوهرية المرتبطة بالعمل التربوي.

وترى منى الشيبة مديرة مدرسة مشيرف النموذجية في الشارقة أن إيجاد إدارات متميزة بصلاحيات وإمكانيات مادية له الأثر الأكبر في عملية التطوير، مشيرة إلى أهمية إيجاد نظام المساءلة والتغذية الراجعة عن وضعية المدارس، وإلى أن البيئات التعليمية المتميزة هي نتاج طبيعي لوجود قيادات تربوية متميزة.

وقال فريد القصيبي مدير مدرسة العروبة الثانوية في الشارقة إن تحسين أوضاع العاملين في قطاع (التربية) مادياً واجتماعياً بمثابة المحرك الأساسي لتطوير التعليم، مشيراً إلى أهمية الأخذ برأي الميدان عوضا عن إقصائه عن القرارات والخطط التطويرية، الأمر الذي أفضى خلال الفترة الماضية إلى ظهور حالة من التخبط والتغييرات المتتالية التي أرهقت الهيئات التدريسية والإدارية، وأضرت بشكل أساسي بالطالب الذي استشعر بأنه بات حقلا للتجارب.

واعتبر القصيبي خلو بعض المدارس من المختبرات العلمية الحديثة بمعناها الحقيقي يعرقل المطلوب من المناهج المطورة التي يفترض إن يتم تعديلها وفقا للمعطيات العالمية الجديدة لإيجاد تعليم متطور قادر على إيجاد مبدعين على مستوى عالمي من أذكياء وعلماء، مؤكداً أن التأسيس والتدرج في تطبيق أي مشروع تطويري يضمن له النجاح عوضا عن المشاريع السريعة والمندفعة التي تربك الميدان وتمنى بالفشل.

دراسات تضع الحلول

وقالت خولة عبدالرحمن الملا مديرة مدرسة ثانوية إن التشخيص الصحيح لواقع التعليم ودراسته بشكل علمي يسهم في تعزيز النظام التعليمي، لأننا للأسف لا نملك أدوات تشخيص والدليل ضعف الأبحاث والدراسات التي تشخص عناصر العملية التعليمية، مضيفة أن أكبر مهمة يجب أن تقوم بها الوزارة هي استقطاب الهيئات التدريسية المتميزة ولا يمكن ذلك دون نظام جديد للرواتب والحوافز، فمهنة المعلم لدينا ليست هي التي يرنو إليها المجتمع، والأعداد الملتحقة من المعلمين المواطنين بالمهنة قليلة جداً.

وشددت على ضرورة التجريب قبل التعميم، وإيجاد تغذية راجعة لتطوير أدوات التقويم وقياس مهارات الطالب لأننا ببساطة أصبحنا مدارس تمتحن أكثر مما تعلم وباتت أدوات التقويم على كثرتها مربكة وغير قادرة على تقييم مستوى الطالب بقدر إرهاقه وإرهاق المدرس.

وأشار عبد العزيز الخياط مدير مدرسة موسى بن نصير للتعليم الأساسي في رأس الخيمة إلى أن المردود الذي يحصل عليه المعلم لا يرقى لمستوى الأعباء والتكليفات الكبيرة الملقاة على عاتقه، سواء من ناحية الراتب الذي لا يوازي راتب بعض الموظفين في جهات أخرى عدة، كذلك الحال بالنسبة إلى نظام الحوافز وأيضا التأمين الصحي وتذاكر السفر والخصومات ليس كما هو الحال بالنسبة لبعض الموظفين.

وأضاف أنه لولا زيادة 60% للمعلمين لكان الوضع أسوأ بكثير خاصة في ظل الزيادة الكبيرة في الأسعار التي لم تتوقف رغم الأزمة العالمية الاقتصادية، كذلك احتياجات المواطن بل ومتطلبات المعلمين بحد ذاتهم.

الهروب الكبير

وتطرق محمد جمعة مدير مدرسة البريرات للتعليم الأساسي حلقة ثانية إلى التفاوت الكبير بين نسبة التوطين في مدارس البنين والبنات، بسبب وجود بدائل أفضل بكثير من الناحية المادية والمعنوية للشباب، أما الفتيات فيندفعن لهذه المهنة بسبب ظروفهن الخاصة، كما أن الوضع لا يقتصر على المواطنين بل شمل الأخوة الوافدين الذين رغم حصولهم على بدلات وتذاكر سفر، إلا أنهم يعانون موجه الارتفاعات الكبيرة بالأسعار.

وقالت سعاد مطر موجهة العلوم في منطقة رأس الخيمة التعليمية إن مجال عمل المعلم غير محدد ولا يحتوي أولويات، فهو مطالب بالمشاركة في أعمال المدرسة من أنشطة وتنفيذ خطط ومشاريع والدخول في مسابقات وحتى إشراف.

وهو مكلف ومطالب من قبل التوجيه بتنمية قدراته وتطوير أساليبه وإيجاد وسائل جديدة تدعم تدريسه وتبين قدراته الفذة وتمكنه من إيصال المعلومات للطلبة بالصورة الصحيحة خاصة مع القصور الذي تشهده المناهج التي تحتاج لمناهج تشرحها.

وكل هذا بدعم خاص منه دون سواه ماعدا بعض حالات المناهج الجديدة، بل إن المعلمات بشكل عام ومعلمات الحلقة الأولى بشكل خاص يتكبدن من رواتبهن الخاصة مصاريف الطباعة والوسائل التعليمية التي يقدمنها للطالبات.

بل إن بعضهن يقمن لدفع عملهن وإيجاد بيئة تعليمية ملائمة للطلبة بدفع آلاف وعشرات الآلاف من الدراهم من أجل ديكور وأثاث صفوفهن، هذا عدا المجهود الجسدي والعقلي الكبير الذي يستنفذه المعلم فهو ليس موظفا في الفترة الصباحية فقط بل وحتى الفترة المسائية التي تخصص للتحضير والتجهيز والتدريب.

استهلاك المعلم

وأكدت فاطمة خلفان معلمة اللغة العربية في مدرسة جلفار الثانوية، أنه بمجال التعليم في الدولة لا فرق بين الذين يعملون ولا يعملون أو يتميزون ولا يتميزون، فلا حوافز ولا زيادات مالية ولا حتى درجات وظيفية، ما يفقد أي معلم أو معلمة ليس لديه الدافع الذاتي والديني من بذل المجهود للارتقاء بعمله والوصول للتميز في أدائه التعليمي خاصة مع واجباته ودوامه المتعب وزيادة مدة الدوام حالياً.

فسنوات الخبرة والخبرة فقط هي التي تكسبك درجة أكثر وهذه الدرجة يحصل عليها الجميع بغض النظر عن تقديراتهم والتي بشكل عام ما تكون متشابهة، بل إن تميز المعلم يضعه في خانة الاستهلاك من قبل الجميع، فالكل يريد أن يستخدمه لدفعه نحو التميز ما يرهقه مع الوقت ويجعله يطرح السؤال المعتاد.. ما هو المقابل؟ والإجابة لا شيء.

مكانة المعلم

أما مريم الشحي الإدارية في مدرسة أحمد بن ماجد للتعليم الأساسي فتصف نظرة الجيل الجديد للمعلم الأقرب إلى الاحتقار والدونية، فلم يعد معلم اليوم هو معلم الأمس الذي قال فيه الشاعر قف للمعلم، فجيل اليوم لا يرى في المعلمين أو في ظروفهم ما يستحق التقدير الذي يناسب هذه المكانة .

كما كنا نراها بالأمس، لا من حيث الراتب ولا في الترقيات ولا حتى في احترام الطالب له الذي وصل في بعض الحالات إلى الخطأ العلني، بل والضرب للمعلم، وللإنصاف فلقد ساهم المعلم في هذا الوضع من خلال عدم احترامه لمكانته وتوجهه للدروس الخصوصية أو عدم تقدير عقلية وقدرات الطلبة بل والمعلمين.

وهذا الأمر ليس مدرجا في إطار الطلبة والمعلمين بل وعلى أعلى الأصعدة بدءاً من وزارة التربية والتعليم التي تصدمنا بصورة دورية بقرارات غير مدروسة أو بشروط جديدة لا تسهم إلا في زعزعة ثقة الميدان فيها ما ينعكس بطبيعة الحال على سلوك العاملين في الميدان بالتالي في نتاجهم الذي يؤثر على الطالب وبالتالي على نظرته.

مبادرات جاذبة

ويقترح محمد جمعة مدير مدرسة البريرات للتعليم الأساسي حلقة ثانية، أن تبادر وزارة التربية والتعليم بمشروع يهدف إلى جذب المواطنين الشباب الذكور لمجال التدريس في محاولة لتوطين المهنة ورفع قيمة المعلم، تقوم على توظيف خريجي الثانوية المؤهلين في وزارة التربية والتعليم بدرجة معينة يلتحقون من خلالها بإحدى الجامعات في المجالات التي تراها الوزارة مناسبة لهم، على أن تأخذ منهم تعهداً بالعمل بعد التخرج في صفوف التعليم.

أساليب التقويم

وترى هيئات تدريسية أن تغيير المناهج بشكل دوري مستمر يربك المعلم لتغيير المادة العلمية والأساليب التقويمية المطروحة للمادة الجديدة وتغيير المناهج ليس بالضرورة أن يعني التحسين أو التطوير بل قد يكون العكس، ونورد فيما يلي بعض ملاحظاتهم:

* عدد الأوعية المنهجية لمعظم المواد كبير وقد يتجاوز (4 كتب للمادة الواحدة) .

* ضعف تراكمي في المواد الأساسية (لغة عربية-رياضيات) يؤدي إلى ضعف في مواد أخرى مثل العلوم وغيرها .

* بعض المناهج غير متوائمة مع البيئة لأنها مستوردة فعلى سبيل المثال منهج اللغة العربية للصف الثاني التأسيسي (يوجد به قصة عن جنوب إفريقيا على سبيل المثال)

* عدم ربط المحتوى المعرفي ببيئة الطالب المحلية في بعض المناهج حيث يتم التدريس عن مستنقعات أميركا الجنوبية -التجارب العلمية والمشاريع العملية غير قابلة للتطبيق للصف العاشر والحادي عشر في مادة الأحياء وكذلك لمادة الفيزياء .

* المادة العلمية عصرية مواكبة للتطورات الحديثة ولكن الجانب التطبيقي منها والعملي غير قابل للتطبيق محليا لضعف الإمكانيات وعدم توفير بعض مواد التجارب لذا يلجأ المعلمين للبدائل مما يفقد القيمة العلمية للتجريب -وجد اهتمام بإخراج الكتب العلمية بشكل واضح وجيد

* المواد العلمية تحتاج إلى حصص أكثر من الجدول الحالي -المناهج أطول من البعد الزمني المقرر لتنفيذها كمادة الجغرافيا للصف الحادي عشر الأدبي.

* تم تحديث بعض المناهج ومنها الجغرافيا للصف الثاني عشر بما يواكب المستجدات التربوية والعلمية وخاصة في مجال الإحصاء حسب إحصاءات 2008م وتم تعديل بعض الخرائط والأشكال والرسوم لتتناسب مع واقع التطور التربوي.

* يوجد توسع زائد عن الحاجة في بعض الوحدات والموضوعات في مادة الجغرافيا للصف الحادي عشر أدبي (وحدة البيئة والكوارث الطبيعية) وكذلك مقرر الصف السابع الدراسات الاجتماعية وكذلك فإن مقرر الصف التاسع أكثر من البعد الزمني -كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس غير مناسب كمستوى علمي للطالب وبحاجة إلى تعديل .

* عدم توازن المقررات الدراسية بين مختلف الصفوف بمادة اللغة العربية حيث نجد أن حجم المادة المقررة على طلبة الصف العاشر أكبر من المادة المقررة عن الصف الثاني عشر .

* المناهج المقررة على الصف السابع غير متناسبة مع الوقت المتاح لانجازها.

نصاب الحصص يثقل الكاهل

بحسب الدكتور محمد صالح من مكتب الشارقة التعليمي تتلخص مشكلات المعلمين والمعلمات في ضعف الصلاحيات المعطاة للمعلم للسيطرة على الطلاب وكثافة نصاب المعلمين من الحصص وقلة الحوافز المادية والمعنوية، وعدم وجود ترقيات لهذه الفئة مما يتسبب في إحباطهم إلى جانب كثرة أعباء المشاريع والأنشطة الملقاة على عاتقهم وقلة أمناء المختبرات مما يضطر معلمي المواد العلمية للقيام بوظيفة أمين مختبر بالإضافة إلى أعبائه التدريسية وكثرة الأعمال الكتابة والإدارية.

وأشار الدكتور محمد صالح إلى نظرة المجتمع إلى وظيفة المدرس نظرة حيادية غير مريحة وسلوكيات الطلاب العدوانية الموجهة نحو الهيئات التدريسية وتكليفهم من الإدارات المدرسية بالقيام بأعمال بعيدة عن عملهم الأصلي كالبيع في المقصف وكتابة السجلات وتعاني البيئة المادية في بعض المدارس من نقص في غرف ومكاتب الهيئات التدريسية أما غرف الإدارات المدرسية فهي مؤثثة على أحدث الطراز ونقص الوسائل والأجهزة والتقنيات والضعف في تجهيز المختبرات والمكتبات .

تحقيق ـ نورا الأمير ورباب جبارة